التسريب، القمع، والاستهلال

3 August, 2010

 

When I tell you- my friend: just drop the whole thing and you do, where do all the things we dropped go?

.

.

أنا هنا أحاول التقاط ماتحدثنا عنه وما لم نتحدث

 

الممتع في التدوين أن المدوّن الذي يهجر مدونته طويلا حتى تظن أن أماتها العطش قد يتحدث -هكذا- فجأة بلا مقدمات وفي أكثر المواضيع تزامنا مع المستجد كأن لم يغب عن شيء .. بلا حملات إعلانية أيضا- شكرا لقارئ الخلاصات، ودون حتى أن يضع بالاعتبار أهمية كتابة تبرير أو اعتذار صغير عن انقطاعه.. أحب مثل هذه العفوية.. بالضبط ماتحتاجه مدّونة كسولة ومزاجية مثلي

 

بضع أشياء حركت الراكد فيّ مؤخرا.. لكنها تشترك جميعا في التداعي المروع وبالوقت نفسه المشفي لغلّي، أنا الفتاة الـ ضاقت ذرعا بأنظمة العالمين الأول والثالث، بالشرفاء قبل الخونة، بالديموقراطيين قبل الفاشيين، وبالخيرين كما الأشرار.. ضقت بالرقابة، بالتكميم، بالإلغاء.. الفتاة الـ تحاول التكتم على حقيقة أن لم تعد هناك الكثير من الأشياء تحثها على التفاؤل وتبقي على إيمانها القديم بالحرية، الديموقراطية، حقوق الإنسان…

على ما يبدو هو زمن نتعذب فيه لا على يد أزلام نظمنا القمعية وحسب بل ويد مبادئنا نفسها التي وضعتنا بمواجهة النظام.. زمن لإدراك أن أبطالنا هم أول من سيستهلكوننا ويستنفذوا كل قوى التجمهر منّا قبل أن يبيعونا لمن تمت تعبئتنا لنتصوره -ونحاربه- عدونا

حسنا، ليس لي من أبطال.. اخترت منذ البدء ألا أُخذل لكن إن كنت لأختار بطلا فإن العاملين في ويكيليكس بالتأكيد سيكونون أبطالي الجدد، لا بسبب رفضي لحروب أمريكا وتشفيي لتبدي زيف ديموقراطيتها المدعاة، وإنما فقط لأن هناك من لازال مثلي يؤمن أن الأمن / الخير لايستجلب بالعتمة وأن تمكين الفاسد لايتأتى منه أي نفع للبشرية

الضوء جيد، يقول جوليان أسانج أحد مؤسسي ويكيليكس ومتحدثها. لكن مايعول -وأعول أنا- عليه هو الأشخاص المأخوذين والمدفوعين أخلاقيا.. أحببت مثل هذا المصطلح

Ethically compelled

أتمنى أن أكون إحدى هؤلاء الأشخاص الذي يتحدث عنهم أسانج بالطبع رغم تقبلي للنقاش في المبدأ الأخلاقي الذي تنطلق التسريبات منه، على مستوى عملي وشخصي مثلا هل سيقف التزامنا الأخلاقي بمبدأ السرية الذي نوقعه حال التحاقنا بمنشأة ما، هل سيقف حائلا دون نشرنا لما نعتقد أنه فساد؟ لا أعلم إن كان ثمة من يشاركني مثل هذا التساؤل والذي بالتأكيد أحتاج للتفكير فيه مليا

هنا رابط مقابلة أجراها معه مؤخرا كريس أندرسون في مؤتمر تيد العالمي الذي أقيم بأكسفورد في جولاي (مترجمة للعربية)

وهنا أغنية / قصيدة / راب عن نافذة حريتنا الأخيرة، أحببت المقطع الأخير، جدا

 

في شأن ويكيليكس -وبتحفظ حتى ينجلي حمق الحكومة الأمريكية- كسبنا معركة إذن، ربما لأنّا آمنا بالناصر أو لأنها أمريكا ونحن نريد أن نشمت.. الأكيد أنه لن يكون لويكيليكس نفس الأنصار من “ربعنا” الهاتفين حين ينقلب علينا ليكشف مراسلات مثل تخوف الولايات من تعاظم قوى الوهابية في دعم التطرف الإسلامي -(وثيقة أمريكية موجودة على الويكيليكس فعلا)، لا أهتم من يُهاجم، اهتمامي الوحيد والذي يجعلني أمسك بأطراف مقعدي تأهبا للقفز هو الشفافية أيا كان عدوها.. لكن المعركة الأخرى تتجه للخسارة نوعا ما وإن كنت لا أزال أتمسك بإيمان قوي بالإنترنت، بالتكنولوجيا والتي إن خسرنا منها خدمة بالتأكيد ستعوضنا خدمات ماكنا حتى لنجرؤ على تخيلها لئلا يمسنا رعب الحرية.. يوما ما سيصبح كل هذا من الماضي.. أتحدث طبعا عن رعب الحكومات العربية التي ضاقت ذرعا وبدأت التحرك لتجرد البلاك بيري من خدماته.. سأضع غرامي الشخصي بالجهاز جانبا (لو قرأت رسالتي في مسنجر البلاكبيري ولم ترد، سأعرف أنك قرأتها.. أحب هذا :) ) وحسرتي على الحملات الإعلانية الجديدة لهذا الجهاز المطارد، وأيضا حقدي على كل من ساهموا بإقناعي بشراء الأيفون الذي هو الآخر يملك تقنيات شبيهة.. سأحاول التحدث ببعض حياد

 

مؤلم أن تلين ريسيرش إن موشن -كما كانت قوقل وياهو خيبة في قلب الحريات- وتهب الرشاوى -لا أملك سوى أن أنظر لها هكذا- للحكومات وهي التي جعلتنا نجرؤ على الحلم بإمكانية وجود تقنية تطير مباشرة لسيرفرات ريم الكندية دون أن يستطيع الرقيب العربي إسقاطها ثم أيقظتنا بعنف، لو كنا في الزمن ذي المبادئ الصحيحة -أشك أن هذا الزمن آتٍ أصلا- لكانت ريسيرش إن موشن لتتخذ موقفا منطلقه حرية التعبير والسوق الحرة المفتوحة  ووو، ولكن ولأنها شركة ذات مسئولية محدودة في عالم جشع ولأننا -دائما- في الزمن الخاطئ، هاهي تذعن وتتفاوض مع دول مثل الإمارات نعرف جيدا أنها هشة لدرجة أن تتحجج -بما يشبه المزحة- باختراق البلاك بيري لقيمها المجتمعية.. أولا عن أي مجتمع إماراتي يتحدثون ثم منذ متى كانت الدعارة والاتجار بالبشر أو الخمور قيما إماراتية أصيلة بينما البلاك بيري هو الدخيل؟ ثانيا كلنا يعرف أن الإمارات التي أزعجت العالم بتبجحها بالأول والأضخم كانت أول من كذبت على مواطنيها والمقيمين حينما زرعت تطبيقا للتجسس مدعية أنه تحديث لنظام التشغيل ثم كانت أخيرا من الهشاشة وانعدام الصبر بحيث تحركت -مفضوحة- حينما قصم القش البرودكاستي ظهر بعيرها، وفقط لأن المواطن أراد -لو لمرة- أن يقول: لا أقبل

ليست الدول العربية وحدها التي تشترك في مثل هذا الرعب من ناسها ومن التقنيات التي جرفت وسائل قمعهم لهؤلاء الناس، دول عديدة صدمني اندراجها في القائمة.. حتى الولايات ومجددا بحجة الأمن القومي تفعل ذلك ولكن لم يعد من المشرف أن نتساوى مع الولايات / المملكة المتحدة في أي شيء.. أعني على صعيد مصادرة حريات الأفراد والادعاءات المضللة والتعتيم الإعلامي (ذات الدولة التي تملك سلطة الدخول على مراسلات مواطنيها البلاكبيرية تنتقد الإمارات وتعلن عن أسفها لتراجع حرية المعلومات العربية) ألسنا كلنا أمريكا؟

 

الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا

 

لم يكن “سيدي” ابن عربي من قال هذه الجملة كما كنت أظن، قوقل متحير بين كونها أثر نبوي وبين نسبها لعلي بن أبي طالب.. بكل الأحوال، فكرة أن الحياة ليست سوى حلم طويل تتملك الكثير من الأشخاص.. لست منهم

 

بالطبع هذا هو المرض الذي أصابني مؤخرا.. وربما أحد أسباب أني ماعدت أستطيع الصمت رغم أني لم أجد بعد كلمات لما أريد قوله.. مجرد التفكير بالفيلم “الاستهلال” تجعل مخي ينبض بطريقة أشبه بنوبة صداع على وشك القدوم والحقيقة أن مشاهدة مثل هذه قد احتاجت فعلا لقرصيّ بنادول وكوب قهوة مضّاعف الكافيين

المفارقة أني حينما دخلت صالة السينما كنت -برغم التريلر- أنتظر فيلما ناعسا وفلسفيا بطريقة مملة ولأجل هذا أخذت أستجدي ذاكرتي أن تمنحني تتمة الهايكو:

حلمت البارحة أنّي فراشة والآن لست أدري هل أنا إنسان يحلم أنه فراشة أم فراشة تحلم أنها إنسان

 

نعم، كان هذا مقاربا لما أراد مخرج الفيلم كريستوفر نولان قوله لكن أبدا ليس بالشكل الشاعري هذا.. استهلال كان يريد إفزاعك، هزك، تشكيكك فيما تعرف وتؤمن وتثق، وضعك بمواجهة مع الحد بين حلمك واليقظة.. وهناك أيضا رعبك من الموت، الموت المتربص بهم / بك في طبقات الحلم الأربع وكيف يأخذ بالتلاشي بينما يقابله كمفهوم عالم النسيان والعودة منه (لايستيقظ الحالمون إن في الحلم ماتوا، يستمر الحلم في أخذهم لما بعد الموت يحدث)

ما أردت قوله هو أني لطالما رددت، أن كل ما أريده في هذا الوجود هو الحصول على إجابة كل الأسئلة، قراءة كل كتب الدنيا والتحصل على كل المعرفة، أريد للحظة التي ينبض فيها قلبي وتمس روحي فكرة، نغمة، قصيدة.. أريد لهذه اللحظة أن تستمر للأبد. بالنسبة لي هذه هي الجنة ولا أرى نفسي بأي شكل أُحرم منها. أخذني كل هذا التوق بالطبع للتصوف لأني تخيلت أن “فيّ عالم أكبر منطوٍ”، لكن الله ردني، أعادني للجرم الصغير قبل أن أرتقي للنيرفانا. برغم هذا مازلت أملك ذات الرغبة وذات التصميم

أدرك أن هذا لايتقارب كثيرا مع ما يريد لنا الدين أن نؤمن به ولكن حين يكشف عني غطائي- الله وعد بهذا أليس كذلك؟، أتخيل أن أول شيء سأصنعه بدلا من تخير أنهر اللبن والعسل بدلا حتى من الاقتصاص والتحاسب هو أن أفهم أولا: لماذا؟ لماذا ياربي.. ربما الموت هو لحظة تمام العقل فعلا، تمام الوعي.. أو هي ربما مكافأة الموعودين بالتطلع لوجه الله.. اللحظة -بالمعنى المجازي- التي بشر بها المتصوفة وربما بنفس هذه الأرجحة هي الأحلام.. ولكن بالعودة لمحاور أصغر أستطيع التحدث فيها بثقة أكبر من مابعد الحياة: لم يستهويني أبدا التدرب لأملك القدرة على التحكم في أحلامي، حتى حينما كنت معرضة لهجوم الكوابيس الرابضة على الصدر، تلك التي نسميها الجواثيم، كنت أولا معتدة بقدرتي على إدراك أني أحلم أغلب الليلات وثانيا وكردة فعل متطرفة دفعها استخفافي بهوس العربيات بتعبير رؤاهم -مسكينة هي المرأة العربية إن ظنت أن أحلامها رؤى وكأنها من بقية الله في أرضه- وبالطبع ثمة تأثيرات العم فرويد السيئة، كان أكثر اهتمام أوليته لحلم هو استخدامه كإلهام للكتابة حينما عجزت عنها.. هذا الفيلم نسف لي كل هذا والآن لا أعرف ما إذا كنت مستعدة للحلم! مذ شاهدته الخميس الماضي وأنا أمضي الأيام في النوم والبلادة لكني حتى الآن لم أحلم.. أفكر الآن أن الأمر مرعب 

وكل مايتبقى من هذه الزوبعة في عقلي هو صراخ أريادني

 

Wake me up !

 

WAKE ME UP !

.

 

 

.

أكبر من ملاحظة، أصغر من تنويه

22 June, 2010

لازلت أقول عن مدونتي أنها “تحت الإنشاء” مع أن الصديقة ريما الغفيلي أنهت صبها في القالب منذ شهر أو أكثر (شكرا ريما).. لا أعلم كم من الوقت مرّ مُذ نقلتها لعنوانها هذا (أردت أن أقول الجديد لأهب نفسي بعض العذر والصبا) لكنني شعرت أنه وقت أطول من المتوقع لأي شيء يقع تحت رحمة الإنشاء وأنا هنا لا أطلب الصفح.. أقر فعليا بالذنب، لم تعد المدونة لي ما كانت: أولى الصفحات التي أزور بلهفة الغيّاب حال الاستيقاظ، أو تلك التي كنت لها التجىء كلما مسني الأرق بالليالي أو الملل في غرف الإنتظار.. ملاذي حينما لا أرغب في تلقي الأسئلة فأصد بمتصفح الهاتف ردا للغة الجسد.. الآن، بالكاد بات هذا المكان المكان الـ تتذكره صاحبته بين الحين والآخر فقط لئلا يغدو مهجورا

لن تكرهوني حين أقول أني لا أكتب لكم، أكتب لي؟ إن لم تفعلوا بعد فأنا أعول على عداد زيارتكم ليخبرني أن بالمدونة وقع خطوات يتردد.. أشعر بالوحشة أحيانا والوحدة في أحيان أخر
حسنا، صرتم تعرفون مشكلتي.. فقدت القدرة على الكتابة (تفاؤلا سأقول: تقريبا، فقدت القدرة على الكتابة) عندي مسودة عن ما أسميه/يسموه بالرايترز بلوك يمنعني من إتمامها الرايترز بلوك طبعا :).. سأحاول -جديا- أن أظهرها للنور/لكم لكني لحينها الذي قد لا يأتي، أحاول تجميع ما نثرت على صفحات الإنترنت المختلفة على مر السنوات لأحتفظ به هنا كأرشيف شخصي حتى يكتب الله لي (أو عني؟) ماهو أفضل
بعض ما لملمته كان بالأصل مكتوبا باللهجة المحكية.. أرجوكم لا تسألوني بم كنت أفكر وقت كتبته لأني للأمانة لا أدري.. ربما أردت إقناع نفسي أن الكتابة أسهل حينما أتخفف من بعض قيودها لكن الفصحى بالنسبة لي لم تكن القيد أبدا.. القيد هو رأسي المطوق بالكثير من الأحجبة الـ تمنع صدور أي شيء ذا مغزى/مردود عنه
على كلٍ، شرعت في إعادة كتابة المحكي.. ما أحتاج عونكم فيه هو الغض عن الأخطاء الشتى نحويها ولغويها.. بقدر ما أحب رنين الكلمات الـ تتردد على شفتي وأنا أطبع على لوحة الحروف العربية بقدر ما أقر أنها -اللغة- الآن تكاد تقترب من أن تكون لغتي الثانية للأسف.. أتقبل التصحيحات برحابة وامتنان -على فكرة

فقط، هذا كل ما أردت قوله وبشكل غريب كل ما كانت الهدنة الصغيرة لتسمح لي أن أقول قبل أن تنقضي

 

.

كتب 2010

20 March, 2010

نعم، الـ 13 هو أحد أرقامي الأثيرة. أظنني ولدت فيه لأنسف نظرية الشؤم

لكني لم أتخيل أبدا أن تكون حصيلتي من معرض كتاب -أيا كان- بمثل هذه الخفة

في الأصل قائمتي المعدلة كانت 33 عنوانا، وكوني حصلت على مايقارب الأربعين بالمئة منها لم يكن فقط لأن بعض دور النشر صعبة ولكن بعض الكتب الـ أردتها امتلكتها في يميني لثوان قبل أن أعيدها للرف، لم؟ لا أدري.. أشعر بمرارة في حلقي وانعدام رغبة لم آلفه مسبقا، أنا التي طالما كانت معارض الكتاب تعني لي رفا أو رفيين إضافيين لمكتبتي

المزعج أن كلا من: السعودية: سيرة دولة ومجتمع لم أجد ناشره، وكتاب الشاي من كلمة وأعمال الثبيتي من الانتشار العربي لم يحضرا. كانوا و:في معنى أن أكبر للجهني أكثر ما أردت هذا العام

مضيت ولا أعلم لم أخذت اتمتم/أغني (كما في كل مرة استحضر فيها الثبيتي شفاه الله) ضمني، ثم أوقفني في الرمال.. ودعاني بميم وحاء وميم ودال…

أدرك الآن أني وكي أبتهج، ينبغي أن أعرف جيدا ماذا أريد. لم تعد المباهج لتأتي صدفة حتى في معرض الكتاب- أجمل الممكن من الأمكنة

في كل الأحوال أنا، اشتقت للقراءة أكثر من أي شيء آخر غيبتني عنه غبيوبتي الأخيرة.. منحني أبي الرواية الـ حديث الكل: ترمي بشرر.. سأرى غدا إن كان غرسها سيثمر في حضني

العناوين كما تبدو (في الصورة التي ترفض الظهور لسبب ما) :

حقوق الإنسان في الوطن العربي تقرير المنظمة العربية لحقوق الإنسان 2008-2009

الليبرالية وحدود العدالة

التيار الإسلامي في الخليج العربي

أجمل مافي الأرض أن أبقى عليها

الأديان والمذاهب في العراق

الخيال الخلاق في تصوف ابن عربي

الفلسفة ببساطة

استراتيجيات النفط والغاز والتنمية في المملكة العربية السعودية

إيران تستيقظ

السيدة مريم في القرآن الكريم

الشعر الأمريكي الجديد- عالم مملوء بالعظام والريح

هكذا قتلوا قرة العين

في معنى أن أكبر 40

.

أثر رجعي

31 January, 2010

والرجعي من التخلف لا التقادم !

أجزت ما فعل أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء

هل يمكن لنص إسلامي أن يكون أكثر وضوحا ومباشرة؟  لم ندرس القانون لكننا ندرك العدل.. العدل في جوهر كون القصاص حياة هو ذاته العدل في العقد شريعة المتعاقدين

طيب لنفترض -كما تخبرنا الحياة- أن امرأة تزوجت واشترطت في عقد نكاحها ألا يقدم زوجها على الزواج من أخرى إلا أن تأذن له.. كل المذاهب تجمع أن للمرأة مثل هذا وأن النكاح يبطل بمخالفة الزوج.. لكن في حالة حدوث المخالفة فعلا ما الذي يطلبه الشرع لابطال النكاح؟ رغبة المرأة.. إجازتها كما فعلت المرأة الـ أتت النبي فقط لتبين أن للمرأة الحق أن تختار.. بينما المفرقة عن زوجها لارتداده أو لظهور رابط قرابة بينهما لا تُخير.. لا تُطلق.. نكاحها ببساطة باطل منذ لحظة حدوث/اكتشاف سبب التفريق

إليكم مايستطيع عقلي الصغير استيعابه في مثال فاطمة ومنصور.. يدعي الأخوة -أخوة فاطمة، ولاة أمرها- أنهم قبلوا بمنصور مخدوعين.. أُقر الآن -بعد أربع سنين من العبث القضائي- أنه قبلي بطريقة أو بأخرى.. لكن قبلي الأصل كان منصور أم لا.. لاتنتفي الخديعة لأن مابني الزواج عليه لم يكن :أي قبيلة والسلام.. كان تحديدا أصل قبلي -معين- رضاه الأب ولم يكن ليرضي سواه.. الشأن الأهم هو.. لأي مدى يحق للأخوة إبطال زواجات الأخوات بعد وفاة الولي/الأب والمرأة -نظريا- أصبحت أصلا تحت ولاية زوجها ولم يعد للأخوة قول في أمرها؟ < أكتب كل هذا رغم أني شخصيا أرفض مبدأ الولاية ولكن لنفترض.. في حالة المرأة الـ أختل شرط من شروط زواجها.. لم أسمع أبدا عن أخوة معترضين -أو قاض مؤيد للإعتراض لدرجة قبول الدعوى- إلا لأسباب لاتعني المرأة -المرأة التي قالت نعم- بأي شكل من الأشكال… مذهب، أصل، عرق، لون بشرة.. كلها حماقات اخترعها الرجل ومازال يستخدمها لأن سطوتها تعزز من سلطته المتخيلة.. تعزز من الأمان الذي عجزت الدولة أن تمنحنا إياه فانتكصنا على أعقابنا عائدين للبحث عن حياة كريمة بطرق تجاوزها الزمن.. طرق الغلبة فيها هي لقوانين القهر.. لسلطات اضطهادية تعز من شأننا باذلال شأن كل مايخالفنا.. على غيرنا فيها أن ينقص لأجل أن نزود

وعدت نفسي مرارا ألا أتدخل بشؤون السعوديين القبلية لأني لا أستطيع الحكم على أمر من خارجه ولأني أحترم خيارات الفرد القبلي كما الجماعة.. لكني مع هذا أعتقد أن سطوة القبلية تراكمت حينما كانت نظام حياة تؤمن للفرد الحماية وتزوده بأغلب حاجاته الإجتماعية والعائلية وحتى السياسية.. في المجتمع المدني المفترض/المدعى/الحلم/المعوق/المسخ، سأعترض حينما تصبح القبيلة لعنة تطارد نسائها فقط لأنهم نساء.. وسأعترض أكثر وأكثر حينما تحدث هذه المطاردة بمرأى الدولة ومسمعها ومباركتها وشرعنتها وتأكيدها وتمييزها

لبنى الحسين في السودان كانت لتنجو من الجلد ببساطة لو كانت استخدمت حصانة منحت لها كموظفة تعمل للأمم المتحدة لكنها أبت وواصلت المحاكمة وحصدت الحكم.. بغض النظر عن التساؤل هل كانت نواياها المبدأ فعلا أم الشهرة الشخصية.. أجدني أقر باحترامي لثباتها.. وأنا أدرك أن فاطمة كانت في الموقف نفسه بشكل ما.. فاطمة ناضلت -ربما بطريقتها الخاصة- لكنها فعلت ما أنا أكيدة أن ستعجز عنه أغلب الناشطات المختبئات خلف برستيج الصحافة ووهج قوائم الغرب للسعوديات الأكثر تأثيرا -إذا كنت للتو اقرأ أن هالة الناصر في واحدة منها وأنا لا أعلم كيف أثرت كسعودية هالة في دنياي سوى أنها عززت السخف الروتاني من حولي- ولن يلومها أحد الآن لكني ربما لو كنت أنا فاطمة لرفضت النقض الذي لاينقض الأحكام الأولى فعلا بقدر مايثبتها.. لو كنت أنا فاطمة كنت لأقاضي القضاة الذين يساند آخرهم حكم سابقه.. لم أكن لأعود لو كنت فاطمة.. كنت لأحارب أربع سنوات أخرى فقط لأجل جملة واحدة

مشيراً إلى ثبوت أن الزوج ينتمي إلى قبيلة، ما ينفي وجود تفاوت النسب بين الزوجين، وتسبب هذا التفاوت في حدوث فتنة لآخرين من ذويها

جملة مثل هذه دائما ماتحدث وتقتل كل أحلام التفاؤل.. في كل قضية من قضايا الحريات تختمنا مثل هذه الجملة ونبقى في أماكننا.. لولا أني هذه المرة فرحّة لأجل فاطمة وأطفالها ومنصور.. لكني لا أعلم إن كان هناك مبرر حقيقي للإحتفاء بحل قضية طالت لمدة مخجلة، ومع هذا يمن على طرفيها أنها حلت.. لن أتحدث عن إلى متى تظل مصائرنا مرهونة بالأوامر السامية الـ تحمينا من جور القانون/العدالة.. هذا نقاش آخر

تظل تزعجني جمل الإدعاء والتباهي الفارغة.. لم أعد أبدا اتساءل : ألا يخجل هؤلاء! نقول في القطيف حينما يكذب أحد كذبة مدعية ووقحة: لا يطيح السقف على راسنا بس.. عشت أنا من كذبات واس والمصادر المسئولة ماله القدرة على إطاحة السماوات السبع لا السقف وحده.. ما أتمناه أنا شخصيا ليس أن أستطيع الحفاظ على أعصابي.. الرحمة التي اسألها هو أن أفقد القدرة على الإحساس بالغبن.. ربما الفأل الوحيد في الحكاية أن الجور يتمادى ويكبر كغول، كالثورة التي تقتل ابناءها.. كل منصور نصنعه سيفكر مليا حينما تصل ابنته لسن الاختيار.. سيفكر أن ليس للآباء -وقبائلهم- من الأمر شيء

.

13/12

13 December, 2009

اليوم هو عيدي وأنا لا أعلم كيف لي أن أشعر حينما أقترب حد ملامسة غيمة؟

.

COP15

10 December, 2009

نحن هنا

ولن نذهب لأي مكان آخر

ولأننا تملكنا البقاء طويلا- مذ بدأت الخليقة حاولت الأرض إخبارنا أن لم يعد من الممكن لأي شيء لايحمل طابع الاستدامة أن يفي بحاجاتنا العديدة

أصبحت الاستدامة إحدى الكلمات الدارجة والتي تتردد على ألسنة الكل.. أقلها أصبح للأرض من يصغي لها

بالأصل يوم عمل التدوين، موضوع مدخلي الأخير أتى ليعد المدونين لمقدم قمة الأمم المتحدة لأطراف التغير المناخي التي بدأت الإثنين، السابع من ديسمبر والمستمرة حتى الثامن عشر من الشهر نفسه، شهري الأثير

يعرض موقع القمة رسائل من أشخاص مثلي مرعوبين على حصة كل منا من اللون الأخضر وينشط المراسلون والمدونون في نقل الجنون الفوضوي الذي يحدث عندما تحاول جمع 35 ألف ناشط ومحاور ومسئول من 192 دولة في قاعة بالكاد تستوعب 15 ألفا.. وبالطبع كل مايمكن حمله من تأهب خارج القاعات الرئيسة.. ولكن هل يمكننا فعلا حد الحدث في عدد من قاعات رئيسة.. ومحاورات صغيرة متزامنة.. ومعارض/فعاليات مصاحبة من ضمنها عرض فاشن للموضة المستدامة؟ من العبث طبعا إبقاء الاصابع متصالبة واطلاق حمامات الأمل البيض في السماء وحسب.. طالما أن مانأمله من إنقاذ للأرض عموما لا شأن له بما تضعه الأطراف على طاولات المحادثة.. الموضوعان مختلفان تماما.. ولأجل مايجري في القاعات ذات الموقع الذي يشهد القمة الآن كان موقعا لمؤتمر علمي في مارس الماضي ولكن وبمعزل عن عقلانية كل الحوارات المحتدة بين العالم الصناعي المستنزِف والعالم النامي المستنزَف مازال آخر اليوم ينتهي بالعالميّن وهم يستقلون السيارات للعودة لفنادقهم.. نعم التناقض هو أن تعقد قمة همها تخفيف العبء الحراري ولأجل عقدها يخصص عدد قياسي ضخم من السيارات والطائرات الخاصة لنقل الوفود

لا ألوم من يشعره السياسيون بأرقامهم الكربونية المخفضة -دون تفاصيل حقيقية عما ينوون فعله لتحقيق الوعود- بالخذلان لدرجة إقامة قمة بديلة.. ربما من الأجدى أن نفعل ماتفعله الناشونال جيوغرافيك ونحتفظ بمذكراتنا المناخية علها تنفع -أقلها- الآتين بعدنا في معرفة الطريقة الأمثل التي يمكنهم أن يكرهونا بها خير كره.. أو ربما في الجانب التفاؤلي أن نعلق الأمل على ماتشكل ويتشكل من تحالفات ومنظمات وتحركات مازال همها الأول هو التغير المناخي والتي أخذت تشمل أيضا كل المنظمات الـ كانت بالأصل موجودة للتنمية:

NGO’s

وجاءت تغيرات المناخ -والتي يتأثر لها العالم النامي ثلاث مرات أكثر من العالم الأول- لتعيق مساعيها.. ربما للقمة حسناتها بالنهاية

الكل يتكلم عن ذات الفكرة: 6 درجات مئوية! شهدت بداية هذه النبؤة في حياتي ولا أريد أن أشهد حراك الأرض نحو الدرجة الثانية فالثالثة فالرابعة والتي يبدأ عندها كل شيء في الاهتراء بسبب إنبعاث الميثان الذي سيقضي على 90% من الحياة على الأرض كما نعرفها.. لأجل هذا حذفت قارئ الطقس من هاتفي وبغض النظر عن مدى واقعية هذه النبؤات الملعونة إلا أن الأرقام مهمة فعلا، كل الأرقام على مايبدو.. المال الذي سيذهب للدول النامية، التوقعات بانخفاض انبعاث الكربون الموعودة،  المخصصات الضئيلة جدا بالأصل والتي تجاهد الأطراف للوصول للحد الأدنى منها لتتمكن من تصنيف كوبنهاجن كقمة ناجحة، ربما نختلف فعليا على مانعنيه حينما نقول ناجحة ولكن ثمة دائما أجندات نحتكم لها، وطبعا ثمة خط النهاية 2020

على مايبدو ثمة أمور كثيرة تدبر بليل -مقتنعة أنا أن السياسة ما دخلت في أمر إلا شانته- ولكن يبدو ثمة اتفاق على ابقاء الأرض أعلى بدرجتين مئويتين مما كانت عليه قبل العهد الصناعي كحد مأمون.. ورغم غضب الـ77 دولة الـ تدعي النمو لاستبعادها من اللعبة- السبب الذي جعلها تتحالف (ألا تخجلهم حقيقة أن لاشيء يجمعهم سوى الحنق!)، لا أهتم أنا طبعا لمن يقرر ماذا.. كل ما أخصص له اهتمامي هو أن يتحقق الهدف فعلا بغض النظر عمن ساهم في صياغته

كوبنهاجن تلتقط صورة للستة مليارات قاطني هذه الأرض معا، السوأل هو هل مازال بامكاننا أن نبتسم عندما تقول: تشيييز؟

سأتابع

تحديث 12/19/09

كوبنهاجن: النجاح ليس خيارا

!

.

يوم عمل التدوين 09

15 October, 2009

أتذكر جيدا كيف كان الصيف أجمل أيامي.. كيف كنت أصاب بالكآبة الموسمية وأختبيء خوفا من الشتاء!!

في طريقنا للمطار متجهين لإحدى أكثر جهات العالم حرارة أوقوستية – ليست الرياض، يعلق أبي على خبر عن التغيير المناخي وذوبان ثلوج الأركتيك من البي بي سي بـ: خلها تسيح يمكن يجينا شوية ماي ! بالطبع لطالما نظرت لأبي على أنه

role model

شخصي.. أيقونتي الشخصية بالأحرى.. لذا لا أرغب في أخذ تعليقه بجدية وهو من كان يشرح لعقلي الصغير ظواهر ثقب الأوزون والبيت الزجاجي حينما كنت استخدم أبي كمرجع لفهم الكون – كانت أيام – ولكني بالطبع صادفت مثل هذا التعليق مرارا من آخرين..

تعلق سيما على الملصق الصغير الذي وضعته على طابعة المكتب المركزية: تخيل في كل مرة تضغط فيها على الأمر اطبع على شاشتك فإنك تدفع بشجرة جديدة للعصر!! تقول لكن أنت التي طردت من فعاليات يوم الأرض لأن هيئة “الأمر بالمعروف” توجست من رؤيتك تتحدثين للمتسوقين عن التقليل، إعادة الإستخدام، وإعادة التدوير !

بينما يعلق فيصل على فكرة أن عدم تناولي للحوم من منطلق بيئي (ليس السبب الوحيد على أية حال) أن الأرض لن تنحدر للخراب حينما أسمح لنفسي بين الحين والحين بتناول الستيك مثلا.. لا لن تفعل ولكن أثر الفراشة سيتحرك قليلا.. قليلا جدا.. ولن اهنأ أنا لمجرد إحساسي أني ساهمت في مثل هذا التحريك.. قد لا أملك الحل ياسيدي لكني أرفض أن أكون جزءا من المشكل..!

دعوني ألخص وجهة نظر لا أعلم لأي مدى يمكنها أن تكون صحيحة: لست أكيدة أننا نرحم الأرض بما يكفي وربما تعزز الأديان فكرة أن كل مافي الأرض سخر لخير الإنسان.. بالطبع لكني اؤمن بوجود روح خفية أشبه بالـ” الأم الطبيعة” وأعلم أنها الأم الوحيدة التي لايجب أن تعامل بمثل هذا النكران.. في الوقت نفسه أرتعب، أرتجف خوفا من مجموع كل الحقائق البيئية التي غالبا مايلخصها أننا نعيش آخر أيام الكون وأننا على حافة الحياة كما نعرفها.. لا أرى الله يتدخل ولا الأرض المجروحة تتعافى.. لكني لا أعتقد أن الرعب لوحده سينقذ شيئا.. الاسوأ طبعا في رأيي هو اللا اكتراث.. وسأتجاوز هنا لأقول اللا اكتراث السعودي.. لا أعلم إن كانت خطيئة أو ما إذا أستطيع فعلا التكفير عنها.. أقصد الإنتماء لشركة بترولية؟ أم أني مدانة في كل الأحوال ولايمكنني انتقاد السعوديين بسببها؟.. كثير ممن يحيطون بي لاتشكل زيادة الحرارة عن الخمسين درجة في الصيف أي طارئ في نظرهم لأن التكييف مازال يحيط بنا كفقاعة حماية شخصية ولأننا نعيش في الجحيم على أية حال وما المشكل إن ارتفعت حرارة الجحيم قليلا؟ بالمقابل وبينما يتكئ الزملاء في المبنى المجاور لمكاتبنا على الشمس لنفث الدخان وشرب القهوة وكأنهم يفعلون ذلك من شرفة أوروبية.. يتندر البقية على أخبار المتداعين من الإجهاد في دول لم تعتد أن تصل حرارة صيفها للثلاثين.. الثلاثين في أكتوبر الآن هو نسيم الجنة! أيضا أحاول ألا التفت لنقاشات مثل أن التصرفات الفردية.. الإستهلاكية منها والمعيشية لاتؤثر أبدا في تحولات المناخ لأن المشكلة الحقيقية هي مشكلة الصناعات، التلوث، استنزاف الموارد.. أمريكا طبعا.. الكوربريت أمريكا.. الحاكم الحقيقي لهذا الكوكب.. يحكون عن البحرين.. أنها ستغرق قريبا بسبب ارتفاع منسوب مياه الخليج ولا أعلم إن كانت الطيبة الـ تملأ سكيك المحرق وسترة ستغرق أيضا.. بينما يحكي السعوديون عن جفاف الخليج ونفوق أسماكه.. ولأني شهدت عينا أخيرة في “واحة” القطيف جفت وذوت أشعر أننا للجفاف من الغرق أقرب.. يتجادل البيئيون في خيارات الطاقة.. الفحم أم الكهرباء أيهما أكثر خضرة وأنا لا أعلم حقيقة أين اللون الأخضر في كل هذه النقاشات..يحكون ويحكون ويحكون وأنا أرد بـ ربما.. ربما.. ربما !!! تعبت – حقيقة – من الجدل.. وإن كانت أمريكا لاتهتم.. فأنا أقلها أهتم.. أهتم لأكواب البلاستيك ورذاذ الملطفات الغير لطيف والأوراق التي أطلب من طلابي ألا يكتبو على هوامشها كي لا أضطر لرميها وأتحمل في كل مرة أقول هذا نظرات الإستغراب في أعينهم.. ولا أكترث إن بدوت حريصة بالقدر الموسوس والمزعج.. أهتم لنبتاتي ولا أعتقد أنها خلقت لتعيش على ضوء الفلورسنت فأعيدها لجوار النافذة كل مرة يرفعها عامل الري ليعرضها لضوء السقف.. أهتم لا لأني أعيش عالما جميلا لكني لا أود أن تخلق البشاعة والسوء على يدي.. هذا كل ما أريد قوله..

ما أعرفه.. ما أشعره.. ما أوقن به.. أني -كإنسان- صنعت بشكل أو بآخر مايحدث الآن.. وأنا من يمكنني إيقافه..

المدخل هو مساهمتي في يوم عمل المدونات للعام 2009

The post is part of the Blog Action Day, 15th October 2009

www.blogactionday.org

.

من يملك القدرة على مشاهدة الجمال لايشيخ أبدا

15 August, 2009

- فرانز كافكا

كانت من أجمل ليلاتي في المدينة البغيضة.. أمضيتها في ميركاتو الجميرا وهو سوق صغير بني على الطراز الايطالي.. ومع أني أتيته  لغرض السينما لا أكثر إلا إن الوقت الذي أمضيته فيه كان هادئ لدرجة يمكنني بها أن أسقطه من حساب عمري.. كانت المرة الأولى في مدينة الاختناق التي أرتدي فيها ملابس السهر برغم العباية وأخط بالكحل عينيّ وأضع بالخنصر ألماستي بإحساس أني سأخرج لملاقاة المساء هذا المساء -
وهو الإحساس الذي ماعرفته إلا لمرات قليلة هناك.. لا أعرفه أبدا في السعودية والخليج للحقيقة.. الدول التي حينما أخرج فيها من منزلي مساءا ادعو الله ألا يطول المساء لأنني أعلم مسبقا كم أني لاحقا سأكرهه.. ميركاتو كان موعدا لم يخيب توقعاتي الحالمة أبدا..
تتباهى دبي بكثير من إنجازات أفخم.. أكبر.. أضخم.. لحد أني أحتجت أسبوع لأجل أن أستكشف دبي مول مثلا –لأننا سكنا جنبه تماما فكان الأكل فيه خيار مناسب لأختي التي لا تأكل إلا الوجبات السريعة- ومع هذا لم أنهيه لضخامته ولأنه سوق بحجم مدينة.. الشيء الذي يجعلني أفكر: إذا كانت الأسواق تتحول إلى مدن بحد ذاتها.. من يعيش المدن الحقيقية؟ كل هذه الأماكن السرطانية بدت لي خالية من الحياة بشكل مرعب وبدا لي الناس فيها مغيبي الوعي ولا ينبض فيهم إلا بطاقات الإئتمان.. فيما عدا ميركاتو الذي لم يكن مجرد سوق.. كان قطعة من ميلان بكل سحرها.. وكان حميما بشكل مفاجيء بينما يهجره المتسوقون لأجل دبي مول ومول أوف إميرتس والمارينا وباقي مدن الإستهلاك المخيفة..
أنا لا أحتاج لأسماء المصممين وبطاقات أسعارهم التي يجّرح أصابعي جشعها كلما ألمسها ولا للتشين ستورز التي تنصب لي الكمائن بتخفيضاتها المدعاة وأكياسها الكبيرة وواجهاتها المضاءة أكثر من اللازم ولا ابتسامات الفتيات اللاتي يعملن فيها واللاتي يحاولن إغرائي بسطوة الأنوثة الغافية فيّ لمكياج للتجربة أو لون لامع لأظافري أو كعب عالي لقدميّ المتعبتين أصلا من المشي العبث يمجمعات التسوق.. ما كنت لأحتاج أكثر من قطعة خبز وكوب قهوة بالبندق من المخبز الفرنسي المخبا بالزاوية الهادئة كي أشعر الدفء بقلبي..
جوني أو جون بالأحرى.. سحب لي كرسي صغير بزاويته المعزولة عن التعب وتركني أجلس واتأمل حركة أوتار البيانو بالوقت الذي تركتني أختي فيه كما العادة لتقلب الملابس وعلب الزينة.. كنت أخبره إني بأي مكان في العالم لا أستطيع إلا أن أتوقف حين أرى شخص ما يعزف حتى لو كانوا المشردون الذين غالبا ماتكون موسيقاهم بسيطة واستجدائية.. الموسيقى الحية بالنسبة لي حدث استثنائي مهما كانت والأمر المؤلم أن الأجانب هم غالبا من يستوقفهم صوت البيانو الـ يملأ السوق ويجذبهم للزاوية التي العازف اتخذها وهم غالبا من ينهوا استماعهم بابتياع السي دي الذي ريعه يعود لمركز دبي لأطفال التوحد.. بينما المواطنين والخليجيين في المكان اللي تتوقعهم فيه دائما: ردهة ستاربكس.. بين يديهم وفوق طاولات القهوة أعداد مرعبة من البلاك بيريز والايفونز وومضات البلوتوث وتكنيكات الغزل والرسائل التي ماعندي أدنى شك بزيف محتواها وإدعاء مرسليها.. كانت غريبة اللحظة والحياة الصاخبة تمرنا من كل الجهات في سوق خليجي لم أرى فيه إلا جوني والبيانو
أنا كنت مأسورة.. لم يكن بودي أن اقتحم هالة الفنان وبنفس الوقت لا أستطيع التحرك بعيدا عن النغم.. كنت مأخوذة تماما وأختي تسحبني من يدي وتقول: تعالي له “بكرا”.. لكني بداخلي أعرف أن موسيقى كهذه تعزف للأسر بداخل صدفة روحي.. أغلق عليها لأن لأشياء المرة الوحدة ألقها التي لا يمكن لزمني الرديء أن يمسه.. مرة وحدة تتركني مصابة بلعنة لا أرغب في أن أشفى منها أبدا وتظل في حدقة عينيّ لمعة ذهول.. مرة وحدة أجمل من أجمل الفتن اللي تتكرر كل يوم حد المرض.. مرة وحدة هي دائما ومهما كانت ذاكرتي مضروبة: تامة!
مضّى جوني تقريبا خمس دقائق وهو يشكرني وكأن الخمسين درهم ستنقذ كل الأطفال التوحديين بالعالم.. شكرني بالعربية “جزيلا” وابتسمت.. كيف لي أن أشكره وأشكر المساء والشرفات الإيطالية والورد المتدلي منها وروح البندق في كوب القهوة ونكهة الفانيلا وعطر روك أند روز والعباية والشيلة والصندل الأسود وحبوب البنادول والنافورة الصغيرة والرذاذ الذي تمنحني إياه ومفاتيح البيانو و رنة الدراهم المعدنية والنباتات الخضر التي ترغب في ملامسة الجدران المعتقة.. كيف أشكر كل شي يجعلني أتحمل.. وأحيا.. وأحب؟

 

في جدوى الهجرة

30 July, 2009

بمعزل عن العمل، بدأت في الإقتناع أني فقدت الحياة الحقيقية.. أعني أني أذهب للعمل والنادي والمقهى (أمكنتي الثلاثة) وأقابل أشباه أصحاب وزملاء وأتحدث مع أشخاص كثر بصيغ شخصية مختلفة.. لكن هنا هو حد حياتي الإجتماعية الجديدة.. لا أكترث لأمر أني لم أعد أملك أي أصدقاء- بمعزل عن أصدقاء الإنترنت مع تحفظي على التصنيف.. لكني اكتشفت اليوم أن تدهور علاقاتي الإجتماعية أنساني كيف يمكنني التناقش الشخصي في الواقع مع أحد (أعني باستثناء أبي).. والآن أدرك  أن النقاش في النت -مع أشخاص تعرفهم أو لاتعرفهم- أسهل بكثير من فعله في الواقع ومع هذا وربما لأجل هذا مازلت بعكس ما يرى الغالبية أجد نقاشات النت مثمرة أكثر كونها لاتهدف لتغيير وجهة نظر الآخر بقدر ماتهدف للوصول لحد أدنى مشترك من الإتفاق والتفرع عنه / منه.. إضافة إلى أن السنوات الطويلة من السجالات النتية -العقيمة- شحذتنا نوعا ما وجعلتنا -أخيرا- نؤمن بحق الأطراف كلها في التعبير والإختلاف عكس مايمكن أن يكون الحال في جلسة واقعية غالبا ماتتحكم فيها لغات الجسد ونبرات الصوت والأحكام المسبقة التي قد ترمي بأكثر الحوارات رقيا في سلة الجدل..

لم أكن على خلاف مع الزميلة التي دعتني للغداء اليوم.. اتفقنا في أمور كثيرة ولكني وجدت في أمور أكثر أني لا أستطيع أن أتحدث عن رأيي كله كما أفعل هنا لأني لا أجيد صياغته بلا لوحة أحرف.. الأهم في كل حوارنا كان اكتشافي أن أغلب المسكونين بهاجس التغيير هم الأناس الذين أقابلهم على النت.. لا أسمي الأناس من حولي بالعاديين لأن الناس في النت ليسوا أقل اعتيادية إنما تجمعهم تيارات معينة أحيانا وتضخم إتجاهاتهم التي أتلمسها مفرقة بين الناس في محيطي.. لا أقول أن الناس المحيطين بي سعداء وراضون.. لكن مفاهيم مثل الإصلاح أو التنمية ليست خبزهم اليومي.. هم لا يحيلوا سياراتهم إلى منتدى متحرك كما أفعل أنا وأبي -حينما لانكون نستمع لفيروز في الصباحات وهو يوصلني للعمل- ولامكان في حياتهم لأفكار مثل تنظيم إضراب عن الطعام يكتبها نشطاء على ظهر فاتورة مشترواتهم من هايبر بنده.. نعم كلنا نحتاج الحياة ولكن لانحتاجها كلنا بالقدر نفسه..

بالعودة للحوار: تتحدث سيما وهي تمضي معنا سنة امتيازها قبل أن تتخرج من كليتي وبنفس التخصص.. تتحدث عن رد الفعل المستنكر الذي تصادفه حينما تبدي رغبتها في الهجرة.. و… أيضا قابلت في النت الكثير ممن يخنقهم الأكسجين هنا.. يؤمنون أن البلد هي مشكلتهم.. وأمنيتهم الرحيل.. ولكني لم أقابل أشخاصا حقيقيون يتحدثون نفس نغمة أصحابي الإنترتيين.. كان الإستماع لأسباب رغبتها في الرحيل مثيرا للإهتمام.. وأنا كما أخبرتها أتفهم جدا نوبة الكآبة التي يمر بها كل الشباب هنا حينما يقتربوا من منتصف العشرين ومن التخرج – أمران يحتاجان للكثير من التروي واستكشاف خيارات الحياة من جديد لولا أن الصدمة هي شح الخيارات هنا وكون الوطن كله يقف صخرة لتهشم الروح الملائ بالتموج والإندفاع.. أخبرها أن الضيق يمضي أغلبه بمجرد دخولها حياة العمل وباقيه يتكفل به الزمن والإعتياد طبعا.. أقول كل هذا ولا أتوقع من سيما أن تسلم بكل ما أقول.. كل مافي الأمر أن مرور أحد بذات التجربة يخفف عنا كثيرا لكنه لايعفينا من أخذ نصيبنا.. أخيرا، كان لابد لئلا تخبو شرارة الحوار الصغيرة على طاولتنا أن تسألني عن رأيي..

رأيي؟ لا أحد يمكنه سلبنا أحلامنا صح؟ أرى العقبة التي نشتكي منها متوهمة أكثر من اللازم ويكفي معرفة احصائية مثل كون من هم دون الثلاثين الأغلبية هنا لتلهمنا الكثير ولتغير الموازين.. لا أعذر من يهرب ياعزيزتي.. ولا أريد الرحيل.. لا لأني أشعر بالإنتماء للأرض- لأني لم أشعر به بشكل عام.. لا أحب الحياة هنا طبعا ولكني لا أعتقد أنها مستحيلة واتساءل أحيانا إن كان الكل يرغب في الهرب من سيبقى.. وأحيانا أفكر إن كانت البلد مختطفة بحكم ديكتاتوري سياسيا وإقتصاديا وإجتماعيا، ما الذي يجبرني على تضييع العمر فيها ولها.. ولكن -أيضا أشكك- هل الدول الأخرى مسئولة عن وضع محبط كهذا لتلتقطني أنا وأمثالي ممن لن نكون أبدا مواطنين حقيقيين هناك وإن تعددت ألوان جوازات سفرنا.. ثمة شمس مختلفة لوحت سمرتها على جلودنا ومهما كان كريم الأساس الـ أرتديه “بيرفكت” ستبقى بشرتي وسواد عينيّ يشيان بي.. أفكر في جدوى البقاء جزءا من تغيير وحركة  يحدثان مهما كنت بطيئين أراهما.. وأعود لأفكر في أبسط حقوقي المسلوبة وكيف أني لم أعد حتى أتوق لها أو أفتقدها.. أفكر في كل هذا وأفكر أني كنت أنظر للكؤوس في أيدي المسافرين حينما عدت من كاليفورنيا وأحسدهم لأني لم أكن أحتاج شيئا وقتها بقدر ما أحتجت إخفات الكآبة التي تخبرني لأي سقم أنا أعود.. أفكر في كل هذا ولا أنجح في الإقتناع بأي قناعة سوى.. أن المشكلة التي لاتستطيع حلها لاتختفي بمجرد هروبك منها !

نعم قد يكون الجو -هذا الصيف- مشحونا بالسلبية بأكثر ممايمكن لأصحابي العشرينيين أن يحتملوه.. قد يصبح اليأس لوهلة هو العنوان لكل الأخبار وكل المقالات وكل مدخلات التدوين وحتى كل السوالف.. لكن الحياة لاتزال ملائ بما يبهج..وثرية بالإمكانات لأنها سنة الكون الثابتة.. نعم أنا أخسر إعتقاداتي الواحد تلو الآخر لكن، إن كان ثمة إيمان ما أتشبث به فهو عدالة الإله وسخف ما يضخم عن إنهيار الكون وجدوى الإستسلام في إنتظار قيام الساعة.. قد أكون محبطة بيئيا.. محبطة كمتخصصة في صحة المجتمع.. محبطة كفتاة لكني لم ايأس بعد من البلد نفسه.. لا أنكر أني خبرت سيما عما قلته في تدوينتي السابقة عن كون الأوضاع لاتطاق وأن ماساعدني كوني بت أفكر فيها وكأني أضع حياتي على “الهولد” ولا استأنفها إلا حينما أعتلي طائرة ما أو حينما يصبح موظفي الجوازات -بعبوس بدلهم الخضراء الترابية- خلفي ويقابلني الموظفون البحرينيون بملابسهم البيضاء كقلوبهم.. لكني لا أملك العذر حينما تحط بين يدي فرصة لفعل الخير وأدعها تمضي بحجة أني لا أهتم لهذه الأرض.. أستطيع أن أصنع مكانا جيدا لي لأعيش فيه أينما أحل ولكن حينما أجعل المكان أفضل لمن حولي، يصبح مكاني أنا أكثر استقرارا وبالتأكيد، أجمل..

مالم أخبرك إياه يا سيما أني كنت سأفعلها وأرمي بجوازي -والتصريح- لألحق بشخص لايعلم أني كنت أفكر جديا بالتخلي عني والكون لأجله والهروب معه إلى آخر أطراف الأرض لكني محظوظة  جدا أني ضيعته من يديّ وكسبتني.. فيما عدا هذا: أنا باقية !

.

خطوة واحدة، كل مرة

9 July, 2009

لم أعهد نفسي كائنا متفاءلا في أي شأن، وللحقيقة لطالما كانت قوانين مورفي بالنسبة لي كالكتاب المنزل: إن كان ثمة احتمال مهما ضأل لأن تتجه الأمور للأسوأ فستتجه له دائما! أعلم أن الأمر ليس بهذه السطحية ولكن التوجس قالب صببنا فيه صبا وتشكلنا بشكله.. لا أتخيل أي وجود لدماغ عربي دون هذا القالب.. ومن ضمن كل السوء الذي لقناه تلقينا منذ الطفولة كانت ثمة أمور مثل الإمبريالة والكولونيالية ووعد بلفور والسايكس بيكو.. نعم نعم أعلم أن كل هذا حدث حقيقة لكن ما الذي استخلصناه من كل هذا؟ نحن مستهدفون.. العالم الأول يتأمر ليبقينا عالما ثالثا.. يحرمنا من الديموقراطية الحقة ويغذي أنظمتنا الدكتاتورية العميلة ليقمع طاقاتنا ويستغل خيرنا.. يفتح جبهات إرهاب هنا وهناك ويغرس خلايا مجاهدين وهمية ليتمكن من ملء بحارنا بسفنه وابقاء قواعده عامرة.. محبو نظرية المؤامرة يرون في هذا كله خوف العالم الأول من الإسلام أيضا.. خوفهم على هوياتهم التي سيطمسها الدين الحق وعلى دياناتهم الهشة التي ستتساقط حالما نتمكن من تصدير إسلامنا لشعوبهم الغافلة.. أتكلم عن كل هذا وأغفل إسرائيل كي لا أزيد الأمور تعقيدا..

اليوم.. بدأت صباحي بكوب قهوة وبحث انترنتي مسترسل وواسع عن المحركيّن الإجتماعيين العرب.. لا أعرف كيف يمكنني أن أسميهم ولكن لنقل أنهم -على قلتهم- الـ

Social Entrepreneurs

من هنا تنقلت نحو أغراض بحثي الأساسية عن المسئولية الإجتماعية -ليس بحثا أكاديميا بالمناسبة وأنا لا أدرس الآن لأني أجلت المقرر الذي كنت لأدرسه لبعض الوقت- ومن ثم أخذتني احصاءات الدخل السعودي المتناقضة على صفحات النت إلى معلومات شبه شفافة عن إنتاج النفط ومدى حضوره في الطاقة العالمية.. وحينما توقفت عن البحث قليلا.. صادفت رابطا لـ تيد على الفيس بوك يلخص ما كنت أفكر فيه منذ بداية اليوم..

http://www.ted.com/talks/alex_tabarrok_foresees_economic_growth.html

مذ بدأت الدراسة، كنت دائما ما اتسأل: هل تعاملني جامعتي -البريطانية- باستثنائية لأني آتي من الشرق الأوسط؟ ولم يتحدث كل بروفسور وكأني سأكون وزيرة الصحة القادمة؟ كان ثمة سؤال محبط آخر: وهل يدركون كم أني لا أملك من أمري شيئا وكم أني أتعذب حتى لآتيهم بأجوبة الأسئلة الصغيرة والبديهية -في ظنهم- كـ معدلات التنمية المختلفة أو حتى المؤشرات الصحية كمعدل الولادات.. أو متوقع العمر للفرد السعودي؟ ولأنهم يتحملون شكاويّ من وضع العالم الثالث الصحي وغموض أنظمته: هل يفعلون كل ما يفعلوه بدافع الشفقة أم الإحسان أم كـ زكاة عن كل التقدم الذي يعتقدون أنهم يقودوه؟ وما الذي يستفيدونه حقا إن كان العائد المادي ضئيل لدرجة بالكاد تكفي رواتب أعضاء هيئة التدريس مما اضطرهم لنقل مكاتبهم الإدارية إلى إحدى الدول الأوروبية للنفاذ من غلاء مملكتهم المتحدة؟ قد تبدو فكرة استقطاب طلاب علم جلية ومنطقية منذ القدم.. منذ الاكاديمية الأثينية التي من اسمها اطلقنا المسمى على الشأن الجامعي كله.. ربما أقدم..

لكن ما أراه هنا أشمل.. دول تتعهد برغم كل الصعوبات بتنمية تخلو من الطابع الإستثماري في دول أخرى وأخرى تتشارك في برامج التبادل والبعثات دون أن تتهم الأولى الثانية مثلا بإغراء الطلاب ليصبحوا مستقبلا: المسوقيّن، مروجي الليبرالية وسواها من التيارات التغريبية، ولا العملاء أوالجواسيس.. ودون أن تنظر لأي من البرامج المشتركة هذه على أنها برامج لتلميع صور الدول العظمى النمطية.. ألكس تاباروك هنا يتحدث بنغمة أوبامية لكنها أكثر وضوحا من براغماتية أوباما..

ليس سرا أن المتضرر الأول من تراجع العالم الثالث هو العالم الأول.. ليس ممكنا للعالم الأول أن يستقر وحوله عالمين مضطربين.. وليس تماما أنهم يتمنون -بخلافاتنا الداخلية- أن نظل غارقين في الظلم والقمع والفقر.. الأمر ببساطة أن العالم شاءت المصالح السياسية أم أبت يحركه النمو ويعزز هذا النمو الإقتصاد.. النمو هو أشبه بقطب تدور كل الشعوب حوله.. أو نواة لاتستقر الإلكترونات إلا في سعيها للاتحاد بها..

أعلم، يبدو كل هذا مثاليا -ولفرط المثالية بجمال كقصيدة.. لكن تاباروك يوضح.. حتى ارتفاع أسعار البترول الذي من جهة كان زخما من الأموال فاجئنا للحد الذي كاد أن يوصلنا لحدود الطفرة القديمة بكل أخطائها القديمة وبلا دروس لنتعلمها -لولا وربما لأنه لايضرب بالعصا كما نقولها بالعامية أنقذنا الله بالأزمة المالية من قهر الفساد ومحدثي النعمة- ومن الجهة الأخرى ضخّم الإرتفاع كل ماهو قابل للتضخم في بلد أصل كل مافيه مستورد.. والعالم أراد أن ينتقم منا ويداوينا بدائنا الأصلي.. حتى هنا، والبرميل الآن يقترب من حد السبعين المستقر/الغامض.. وشركة البراميل.. شركتي تعاني اسوأ حالاتها مازالت الصورة الشاملة جيدة وبتحويل بسيط لمفاهيمنا للطاقة بامكان العالم كله أن ينتهي بحالة

Win-Win

نحن نتعافى.. العالم يتعافى.. وعلى مايبدو أن سوء الأزمة العالمية كله -رغم إدراكي لوسع أبعاده- لايستطيع الوقوف بوجه البشر ورغبتهم بالحياة..

إذن: بينقو! لا لشيء ولكني أستطيع -أخيرا- أن أصيغ بعض الأفكار المذهلة : ) .. لكن هذا لايعني أن العالم ينبغي أن يتزامن وسرعة استيعابي البطيئة.. العالم كله يدرك بالمفهوم الأكثر مباشرة وبعيدا عن جدل العولمة أن رغيفين يعنيان أن شخصين سيأوين إلى فراشهما دون أن يبات معهما الجوع لكن شمعتين تعنيان أن الشخصين ذاتهما سيكون لديهما المزيد من الضوء مما لو كان كل منهما وشمعته على إنفراد.. لا أنكر أني اؤمن بالإنسانية كفلسفة عليا قبل كل شيء.. أني متيمة بالمذهب الإنساني كما يلقنني إياه سيدي ابن عربي.. لكني أحتفظ بمثل هكذا إيمان لنفسي.. هنا، مايعنني هو ماينفع الناس.. في أي مكان من الأرض نعم لكني أحاول أن أهب كل ما أستطيعه لناس هذا الوطن أولا.. ليست بالخطوة الكاملة ربما ما أفعله هنا وفي عملي/الحياة حتى لكني أثق أني اؤدي ماعليّ.. خطى صغيرة كهذه التي أتحدث عنها هي ماقادت البشر نحو حد المعجزات وطوعت لهم المستحيل..

في فكرة أخيرة يرى تاباروك شعارا مثل فكرة واحدة، سوق واحد، لعالم واحد.. يرى فيها الـ موتو أو موجز كل ما يريد بنا أن نصل وأنا رغم اختلافي على قصور بعض التفاصيل، أرى مايراه وألمسه.. مايحز بخاطري رغم كل هذا تذكر أني أستطيع كفتاة سعودية التواصل التنموي مع أي فرد بالعالم -تقريبا- لكني لا أجد الفهم نفسه في وطني.. وطني الذي مازال كل فرد فيه يولد والقالب بنفس المقاسات يصنع لأجله.. وطني الذي أغلب أفراده الذين أعرف يتوجسونني أكثر مما يتوجسون أمريكا الشر.. ربما لأني أظل بشكل أو بآخر: الآخر.. على كل، سأحاول الإبقاء على شمعة التفاؤل التي يشعلها لي ألكس.. نعم لا أستطيع أن أرى أي نمو مستقر على المدى البعيد في دولة دكتاتورية أصلا.. نعم أرى جيلي ذاو ومستنزف ويائس.. نعم أرى الأجيال الأصغر شاحبة يخنقها شح قنوات التعبير وتتخطفها التيارات.. نعم أتناقش وأبي عن استملاك طوال العمر لأي أرض في اليوم التالي لبداية أي مشروع تنموي عليها وأعلق أني للمرة الأولى أدرك كوننا نعيش في دولة مجانين! نعم أرفع يدي وقدمي بين الحين والآخرلأننا إن كنا نتسارع بالمعدل الإنفجاري الذي حكى عنه سعد الموسى قبل عدة أسابيع فأنا من ناحية ديموغرافية استعد لكارثة سكانية وأضع حقيبة الهجرة/الطوارئ تحت فراشي وبالطبع مستعدة لأن أقسم أني لن آتي بطفل واحد جديد لهذه الأرض التي أغلب من يسكنها أطفال والأقلية التي تحكم هؤلاء الأطفال مازال وحشهم الأثير هو بعبع الاستهداف.. نعم أرى كل هذا.. لكني لا أزال أردد.. لن يقف كل هذا بوجه الإنسان.. والإنسان هو ما اؤمن به وأراهن عليه.. أثق أنه -مهما اختلفت مع المواطن بداخله- لن يخيب لي ظنا !

.

كتب 2009

6 April, 2009

خلال سنتين وشهرين من العمل لأرامكو السعودية.. أرغمني جسدي على التغيب وأخذ إجازة مرضية ليومين لا أكثر.. واضطررت لأن أعود للمنزل دون أن أتم دوامي بسبب التعب مرتين لا أكثر -أيضا-.. للأسف اليوم كان المرة الثالثة.. حاولت بكل مافيّ أن أقاوم نوبة المايقرن لكن بتعايشي مع الصداع النصفي لـ 13 سنة أصبح بإمكاني أن أميز تفاصيل كل نوبة وهذه المرة كنت أعلم أني لن أصبح أحسن وأن الأحسن هو أن أوقف استنزاف طاقتي في المقاومة.. بنهاية الأمر، ليست رغبتي أن أجد نفسي في غرفة طوارىء.. وهو الذي لو حدث ستكون أيضا المرة الثالثة التي يأخذني فيها الصداع هناك.. من الصعب تخيل شخص يمضي للطوارئ بحجة صداع لكنها للأسف في حالة المعذبين مثلي واردة جدا..

المسألة في هذا كله أن الطرد الذي اضطررت أن أتركه بالمكتب وأعود لبيتي كان تقريبا يزن 13 كيلو ونصف الكيلو حسب إيصال الفيديكس ومن الأكيد أن ليس لي أن أحمله لأني كما سيقول من أرسله بلهجته: ما أقواه

أخيرا وصلت كتبي.. أخيرا تأتى لي الشعور أن المعرض لم يفتني تماما.. وأخيرا صرت أستطيع أن أبتهج بـ “جرعة” كتب جديدة.. لن أنكر أني أتعبت مرسلها كثيرا في البحث عنها.. لكن للأمانة أحيانا أصغر الأشياء يصبح

deal-breaker

على مايبدو أنه نسى أن يحضر لي غرفة خلفية لهديل الحضيف.. باقي الكتب التي لم نجدها -وهي ليست بالكثيرة أبدا- أستطيع أن أطلبها من النيل والفرات وقتما أشاء ولكن -لن أخبي- الغرفة كانت من أكثر الأشياء التي تحسرت أني لم أستطع الذهاب للرياض أيام المعرض لأجلها..

طبعا سأحتاج عدة أيام أهرّب فيها الكتب للبيت على دفعات : ) لا لأجل شيء ولكن لأجل أبي المصدوم بكمية الكتب التي اشتريتها من معرض المنامة السنة الماضية ولا أظنه تجاوز الصدمة للآن.. حسنا، الفكرة سطحية ربما لكن بالنسبة لي أستطيع القول أن معدل فرحتي متناسب تناسبا طرديا مع ارتفاع “كومة” الكتب..

عناويني كانت:

الجسد والمجتمع

رقة الكائن النائم

مقالة في العبودية الطوعية

تاريخ الأسطورة

المفكرون الأحرار في الإسلام

الإسلام والتحليل النفسي

الفتنة جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر

المسألة الدينية في القرن الواحد والعشرين

السلفية والليبرالية – اغتيال الإبداع في ثقافتنا العربية

من التراث إلى الاجتهاد الفكر الإسلامي وقضايا الإصلاح والتجديد

الحمام لايطير في بريدة

الإنسان المهدور

الاختلاف الثقافي وثقافة الاختلاف

الديمقراطية أولاً… الديمقراطية دائماً

نشوء القومية العربية

الميمياء نظرية تطورية في تفسير الثقافة

الحجاب

الكينونة المتناغمة

حلة العبيد

ماتبقى من أوراق محمد الوطبان

عسس

فصل آخر في حياة الأشياء

دين الإنسان

الجذور التاريخية للقومية العربية

حقوق الإنسان مدخل إلى وعي حقوقي

حقوق الإنسان الرؤى العالمية والإسلامية والعربية

مدخل إلى فلسفة العلوم العقلانية المعاصرة

قضايا في الفكر المعاصر

البحث عن التاريخ والمعنى في الدين

نحو منظومة صحية متكاملة

لايوجد مصور في عنيزة

الحداثة والنص والإصلاح الديني وهو حوارات من إعداد الصديق بدر الراشد مع الشيخ عبدالعزيز قاسم

أن ترحل

الحياة هي في مكان آخر

وأخيرا رباعيات فرناندو بيسوا.. والاخير هو اهداء من مرسل الطرد

بالطبع كوني أنا الاسوأ في الحفاظ على الوعود يمنعني من أن أقطعها بالأساس.. ولكن سأحاول أن ألخص قراءاتي لأهم هذه الكتب قدر ما أستطيع..

كل معرض وأنتم بخير

.

O2 تدوين

26 March, 2009

يخبرني Technorati

أن عدد المدونات في السايبر يكاد يقترب من حد الـ 80,000,000.. نعم ثمانين مليون!

وأن 79% من مدونيّ العالم كان دافعهم الأول لبدء مدونة

to speak up

ولكن، بين كل هؤلاء المتحدثين/المدونين.. أين تقف فدا؟

بالبدء، وشخصياً- قد أملك من وسائل التعبير كما ونوعا يفوق ما يملكه أو تملكه أغلب من يشاركوني الجيل نفسه… لكن المشكلة فيّ أنا: برأسي كثير من الأسئلة، الهموم، الحكايا، الثورات، الاعتراض، التمرد، الـ

what if’s..

لكنّي بالوقت نفسه جبانة و”شارية رأسي” وأكره الجدل والمشكل الأصعب أني أيضاُ مصابة بضيق الأماكن المغلقة والذي انتقل من صدري إلى رأسي وغير كل قوالب تفكيري.. كنت مهووسة بالحرية حينما كنت أصغر متخيلة أنها هدفي الأوحد وأنني دونها أموت.. لكني محظوظة أن التدوين أصبح أحد الخيارات المتاحة حينما مع الوقت والمعايشة صرت أدرك أن الحرية هي أداة.. لا الهدف بحد ذاتها.. حريتي ببساطة تعني أن أمكّن بلا عوائق لا منطقية من تحقيق نفسي.. : ) أبتسم الآن كلما فكرت في مصطلح إبراهام ماسلو الأثير لدي: تحقيق النفس.. أتذكر أنه كان أكثر الأشياء التي تمسكت بها كرسالة شخصية (Mission ) والتي لسنوات كانت: العمل على تحقيق/ تطوير نفسي والإسهام بشكل نشط في جعل العالم يصبح مكاناً أفضل لي ولمن حولي.. أعلم.. تبدو رسالة غبية حينما أحكيها هكذا لكنها تبدو عملية أكثر بالإنجليزية وهي -للأسف- اللغة التي أستخدمها للتفكير! القصد أن التعبير جزء لا ينفصل من حاجاتنا العليا.. وبغض النظر عن كون التعبير هو أيضا وسيلة للمشاركة وتبادل الخبرات والمضي قدما في أي حركة تحديث، أو تنمية.. أظن أن التعبير مهم حتى وإن لم يكن القصد منه توليد ردود الأفعال.. أنا واحدة من الـ 79% من المدونين الذين سيظلون يتحدثون ويتحدثون وإن لم يقرأ لهم أحد لأنهم ببساطة يريدون ويحتاجون التحدث..

هل أدون لأجل هذا فقط؟ همممم.. السوأل الأهم قبل: “لم التدوين؟” هو: ما هو أعلى سقف للحرية قد تمنحني إياه وسائل التعبير العديدة المتوفرة؟ الآن وبنظرة لكم التغيير الذي مررت به فكريا، شخصيا، واجتماعيا أستطيع القول: ليس عال هو هذا السقف.. كنت أتحدث مع بدر حينما خطر لي أن اختناقي من الأماكن ذات الأسقف المنخفضة في الواقع هو ذات الاختناق الذي يرعبني حينما تنخفض أسقف الحرية الفكرية.. حريتي في الإيمان بفكرة، مبدأ، تيار، أو ممارسة لا يوافقها أهلي، أصدقائي، زملاء عملي، رؤسائي، الناس من حولي، وما يمكنني إضافة الياء لأنتسب لهم: “مجتمعي”.. هنا ثمة غيمة رمادية تحوم فوق رأس كل منا.. غمامة ضيق اسمها المجتمع.. لكن المجتمع كما أفهمه هو أنا وهو وهي وهم.. ولأني مازلت أعتقد أن المجتمع ليس سوى نظام معايشة ارتضاه الأفراد لتصبح حياتهم أكثر ترتيبا، فإني مازلت أؤمن أن الفرد يأتي في الأولوية أولا.. نعم: الأهم هي أنا… أنا التي لا يمكن تهميشها لأجل خاطر المجتمع بأي حال من الأحوال.. صوتي هنا على ذات القدر من العلو كما هو أي صوت آخر.. ومثلما أتوقف لسماع ما يقول الآخرين وإن لم أتفق معهم.. أتوقع أنهم سيمنحوني فرص الإصغاء نفسها..ولكن للنشر في أي قالب رسمي / إعلامي -مهما اهتم بالمشاركة والتفاعلية- أولويات أخرى لا تبادلني الاحترام نفسه.. الأجندات -مكتوبة أو مخفية- في كل الأماكن كثيرة جدا جدا لدرجة أني لا أستوعبها ولا أنجح غالبا في قول ما أريد دون المساس بها.. كثير من الـ لا، والغير مناسب، والغير صالح، والمستفز، والكثير من أدوات التحرير المقتحمة والغاضبة و.. و.. و.. وبالنهاية، نعم أنا لست ما أكتب ولكن ما أكتب هو دائما أنا! وأنا بالتأكيد لا أتطلع لجروح المقصات فيّ ولا لأن أعامل كحجر نرد تحركه قوى أكبر لأنها تريدني معبرا لتعبئة “الرأي العام”.. أقر للصحافة والصحف.. للمطبوع من الكتب.. للمنتديات حتى بالفضل.. ولا أنكر أني لا أستطيع العيش دونهم وأنهم كانوا ولا يزالوا أدوات مهمة في تشكيلي وصياغتي لكني لا أسلم بأي أهمية ظلت لأي من وسائل التعبير الأبوية هذه في ظل صعود طرق التعبير المتفرد.. نعم ليس للتدوين تأثير يذكر أن لم يّشكل المدونون تيارات وقوى.. كنت أعلق في مدونة لامنت أني أؤمن أنه بعد اليوم: لا حركة للأفضل في السعودية ستكون ممكنة دون أن تعتمد أولا على التدوين وتطبيقات الويب 2.0 الأخرى لأن ببساطة عصر الإعلام المراقب انتهى.. نعم قد تتولى الصحافة المضي قدما فيما نبدأه نحن وتوليد ضغط مقنن/أكبر لكن سيكون للمدونين دائما حرية تحريك الراكد.. لكن مع يقيني هذا يبقى التدوين في العمق هو ما تعتقده بيلسان أنه المهم بالنسبة لها.. لها هي فقط بكل ما يمكن تصنيفه أو لا تصنيفه منها..

أتكلم بعمومية مثالية لأني قد لا أكون إضافة مهمة لعالم التدوين وأدرك أني لا استخدم –بعد- كل ما أنا غدوت محظوظة به منذ امتلكت الدومين بكل الإمكانات التي فرحت في البدء بها.. لكني هنا لأني أملك الحق.. لأن لا أحد يمكنه سلبي إياه ولأني بكل هذه الحرية.. أتنفس!

.

نستقي من الردى

20 March, 2009

ولن نكون للعدّا.. كالعبيد.. كالعبيد..

لانريد، لانريد..

موطنا يهدد، وفتية تشرد..

لانريد،

بل نعيد.. مجدنا التليد،

مجدنا التليد..

موطني.. موطني..

بعكس الأناشيد الوطنية التي تتردد جميعها كنكت سمجة..اعلم إن الاستماع لهذا النشيد بالذات يجعلنا نضع يداً على الصدر لنكف قلوبنا عن الانكسار.. لا أتصور دمعا أكثر ينهمر حينما يتردد هذا النشيد من أدمعي.. ولا اعلم حقيقة الإحساس الذي يجعلني أرد عيني خوفا من البكاء في كل مرة يكون فيها اللحن خلفية لأحدى الإعلانات التي تبثها قناة العربية وهي تحاول أن تقنع العراقيين بضرورة التصديق بأنهم لا يملكون سوى حطام وطن وحيد.. ليست عراقـ/كـ ـات كثيرة ليتسلوا باللعب بها.

اعرف ان الدولتين اللتين تتغنيان بـ موطني كنشيد، هما أكثر الدول ذله ومسكنه.. إلا أني لا اهتم للدولة الافتراضية فلسطين كثيرا –وبلا كثير أسف- أسفي كله للبلد الذي يعيش الآن كل المخاوف التي أودعها إبراهيم طوقان –كأمنيات قومية- في كلمات نشيده..وكأن كل ما قيل فيه يجري الآن بالمقلوب في العراق.. ورغم الفأل السيئ ولأن للدول من أناشيدها نصيب ارتأى العراقيون أن يستبدلوا التساؤل اليائس: هل أراك.. هل أراك.. سالما منعما وغانما مكرما؟ بـ يا رعاك، يا رعاك.. سالما منعما.. غانما مكرما….. وكأن كل هذا يحدث الآن وهم يسألون الرب ألا يأخذه أو يغيره.. أن يرعاه لهم ويتركهم لو لمرة يرون سلامته ونعيمه وغنائمه وكرامته.

وكأن “موطني” صلاة مرفوعة لله منذ 1979 والله.. مجيب المضطر لا يستجيب !

.

مهزلة العقل السعودي

25 February, 2009

لا تساعدني ذاكرتي كثيرا حينما أحاول تصور متى انتهى عالم الاجتماع العراقي علي الوردي من كتابة “مهزلة العقل البشري”.. لا اعلم لأني معزولة منذ بداية الأسبوع عن العالم.. بعكس ماتدعيه الاتصالات كانت الحياة أسهل حينما كانت الويكيبديا تمكنني من الحصول على أجوبة.. وحينما كانت قوقله الشيء تكفي لأن تدعي انك تعرفه مما يمنحك الضوء الأخضر للتصرف كما لو كنت تحمل الدكتوراه فيه.. الآن ومذ اعتل الدي اس ال أنا عاجزة، عاجزة عن حجز رحلتي وفندقي.. عن إتمام عملية الشراء التي أردتها من أمازون.. عن مشاهده غزارة دموع كيت ونسلت ووسع ابتسامة الأطفال من سلم دوق مليونير.. عن إنهاء تحميل أفلامي وكتبي الالكترونية أو حتى البحث عن قائمة الكتب الـ أريدها من معرض الرياض.. لا أستطيع سماع الراديو الذي اعتدت ولا حتى التوترة.. أشعر أني مسجونة ولا أدري أي نهاية أسبوع بليدة تنتظرني لكني أنوي قضاء وقت هادئ مع الوردي أقلها لنمارس أنا وهو السخرية من كل ما حدث ويحدث.. أتساءل إن كان الكتاب كتب في الستينات أو الخمسينات من القرن الماضي لأنه سيكون من المضحك معرفة أن ما انتقده الوردي لم يزل يجلب السخط نفسه في الـ 2009.. نفس الـ sarcasm الذي كان يكتب به يملؤني الآن: الاتصالات تجعل الحياة أصعب وتعزلني عن العالم والإشاعة التي أخبرني بها أبي صباح اليوم بدأت تتردد في الجوار كرائحة عفن: ثمة دائما من سيقول شيئا وأنا لا أصدق أي شيء يبدأ بـ يقولون إن كنت لا أعرف من هم.. وإن عرفت فأنا لا اؤمن بنظرية المؤامرة..لكني مستاءة جدا وربما لأجل استيائي ولأجل الراوترات الصامتة في حينا.. سأصدق قليلا مهما كانت الإشاعة غبية، أعلم أن الغباء الذي برر الأحداث في المدينة التي لا ترتبط في أذهان المسلمين إلا بالطمأنينة والذي سيبرر كل القادم (وسيكون القادم أسوأ  للأسف.. اعلم هذا يقينا) هذا الغباء كثير لدرجة أنه لن يضيق عن فكرة أن يفصل الدي اس ال عن مقسمات حينا ليعزل المستاءون عن معرفة ما سيزيد استياءهم وليعرقل المعبئون من إتمام تعبئة حشودهم .. لا أستطيع الجزم.. ربما قرروا طريقة جديدة للتعتيم المضحك.. طريقة أفضل من التزام الصمت أو تحجيم ما لا يحجم.. لكنها لا/لن تجدي.. أعني هاأنا أستجدي الايزي نت.. والجوال نت.. هناك أيضا الكونكت.. الانترنت في عملي والذي توفره شركتي لموظفيها أو الذي تجلبه الأطباق من الأعلى دون أن تصوبه الرقابة.. أعلم أن الاتصالات شركة ربحية بالنهاية ولو كانت لتأتمر بأمر الداخلية لدرجة فعل شيء  كهذا فإنها كانت لتفعله حينما كانت القطيف تغلي أيام الحرب على غزة.. يبدو مضحكا الآن وبعد خمود كل شيء التفكير في أن إسرائيل لا تحصد حياة الأطفال في غزة وحسب وإنما تقلب حياة الساكنين في القطيف أيضا..

لم أكن هنا أيامها لكني هنا الآن.. كنت أهرب من الإعلام حينما كنت في الولايات لكني لا أهتم الآن.. أعلم أن سيأتيني بالأخبار من لم أزود.. سيأتيني بها حتى لو نفرت منه.. سيأتيني بقصتين متناقضتين تماما ويخيرني أيهما أصدق.. اعتدت هذه اللعبة منذ سنين.. لكن مزودي من أي طرف كان سيعجز عن القول أن ما يحدث شيء يجب أن يخجل منه الكل لكن لا أحد يخجل.. الكل مشغول بالغضب.. الكل مأخوذ بالاحتجاج.. الكل أسكرهم في هذا الصدام صوت الصرير.. الكل متعطش لغمس يديه بالدم.. الطرفين على صواب.. الطرفين على خطأ.. أنا لا أثق بأحد ورغم تحيزي أقف على الحياد المقرف.. العنف لا يبرر الهمجية.. وردة الفعل قد توازي الفعل في المقدار لكننا لسنا أحجار فيزياء.. من أعطانا المنطق، أعطانا الاختيار.. لا أعلم منذ متى أصبح مسجد الرسول ملكية سعودية خاصة لكني علمت منذ البدء أي تفاؤل حالم هو بهجة من استبشروا بتغيير لحى الهيئة في يوم الحب.. أي مساكين نحن لنتفاءل .. لأقل -عموما- أن الشمر لا يزال هو الشمر لكن الشيعة الآن ليسوا أنصار الحسين ولم تكن المدينة الآمنة لتستحيل كربلاء.. ما يحدث هو محض غباء وما سيحدث وإن مسني لن يقلقني لأني وإن طالما أخذت بكون الشيعة لا يرضون الذلة.. أعلم أن القادم مجرد سيل من الهمجية التي متى ما انتهت سينتبه الجميع أي نوع من الخزي صنعوا..

أنا غاضبة.. لا أنكر.. غاضبة لأني يوما بعد يوم أكتشف أن الجنس البشري أغبى مما أتصور!

.

1948

6 February, 2009

*

المادة 1 يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء
.

.

.

المادة 30 ليس في هذا الإعلان نص يجوز تأويله على أنه يخول لدولة أو جماعة أو فرد أي حق في القيام بنشاط أو تأدية عمل يهدف إلى هدم الحقوق والحريات الواردة فيه

مقر الأمم المتحدة.. نيويورك *

.

and since we’ve no place to go, let it snow, let it snow

25 December, 2008

متأخره في الكتابه كثير واخاف يتسرب من ذاكرتي الشي اللي اكثر شي ابغاه يظل فيها ع طول..لهالشي، وعدت نفسي اكتب كل ماكانت فيه فرصه..

ايامي هني مختلفه.. وهالشي جزئيا سببه السفر والمكان اللي انا فيه.. بس سببه الاهم ان شنطتي كنت شايله فيها

new attitude

وبس وصلت قبل لا اسوي اي شي ثاني لبسته..

بخاطري اسجل هالايام كتدوينه طويله.. بس عشان يكون تصديق اني عشتها ممكن.. بس خليني اول اخلص من تطييب روحي..

برا اللي كنت مخططه اسويه اليوم/امس.. عبرت في سانتا مونيكا ع سوق شعبي للمحاصيل والمنتجات اللي يبيعوها المزارعين بنفسهم وبلا وسيط.. عرباتهم صفوها ع رصيف الشارع الثالث.. الشارع الاوسع بشاطي كاليفورنيا الجنوبي.. وامتلت هالعربات بالأوراق الخضر والثمر.. كل اللي يخطر ع البال من ثمر او ورد.. شريت ضمه لافندر بدولار ونص.. واكلت كثير.. وضحكت اكثر.. جربت اشيا كثيره وماكانت فكره ان هالخضار مو مغسوله.. ماكانت تضايقني.. اكلت تمر كالفورنيا.. واقنعت اللي يبيعه يجينا عشان اذوقه الخلاص.. وعدته انه مابيحط ولا تمره كالفورنيه في فمه مره ثانيه بعد مايذوقه.. ذقت عسل ومربى وزبيب وخوخ وفراوله وتوت شوي ويموت ع شفايفي من كثر ماهو مملي بالحياه.. لقيت خس باربعه الوان وطماطم بخمسه الوان وفلفل بسته الوان.. طبعا ماقدرت اكمل عد.. الظاهر ان سحبهم ماتمطر قد ما انها ترش ع الزرع هالالوان اللي خلتني احط يدي ع قلبي من كثرها..

عارفه انها متع بسيطه لدرجه تضحك.. اعني ان سانتا مونيكا كان فيها اشياء اهم بكثير من سوق المزراعين.. البحر، المرفأ، الايس كريم الديسمبري، النوارس، الحمام اللي مايخاف لما اقرب منه، الهوملس وتعليقاتهم الحاقده ع الدنيا وع الناس.. الناس اللي تعيش كذبه كبيره مثل مايقولو، المحلات اللي استحي اقول عنها فاخره او ايليقنت كده حاف، الشوكولاته البلجيكيه وخبز الزنجبيل، الموسيقين ورنه العملات المعدنيه وانا ارميها بصناديقهم، العارضين اللي يطلبو تبرعات لأشياء ما افهمها، اواللي يتخيلو اني لاتينو ويسألو اذا كان ينفع يتزوجوني! مطعم الفلافل اللي ركضنا له بلهفه ناس مضيعه وطن، اشجار الكرسمس والمظلات واغاني الاعياد بستاربكس ومؤشرات الكتب ببانرز اند نوبل، الكلاب.. كل انواع الكلاب، المخيفه والودوده، الضخمه والناعمه، الكلاب اللي تتألف لما تتشمم بعض او اللي تهاوش بعض لمجرد مرور عابر، والناس.. الهيسبانك منهم والصينين والايرانيين والاوروبيين اللي يمضو الاعياد وراجعين والسعوديين اللي شاركونا فجعه الفلافل وسلبوني متعه الكلام مع اختي بالعربي واللي اقدر اقول انها لحد الحين اكثر شي يملاني فرح لأني من سنين .. من سنين ماتكلمت..الكلام من كثره كان ثقل صخور ع صدري.. كنت عارفه اني احتاج اقوله واتخفف من اكياس الرمل هذي بس اول مره اكتشف شقد ممتع ان الواحد -بلا ما الدنيا تهتم- يهذي..

هذا كله كان اهم من سوق المزراعين بكثير ومع هذا بوقت شميت اثر ربطه الخزامى بيدي حسيت بشي ما اعرف كيف اكتبه.. كان ودي والدنيا تمطر لو احصد كل اللي كنت حاسه فيه من رضا.. احبسه بعلبه مثل العلب اللي كانت مليانه خيرات.. اظل مخبيته لأيام اعرف انها ماتقدر كثير على فراقي…

.

العام الأول بعد ميّ

26 November, 2008

في قرن واحد بعد بياتريس.. تتحول الأرض إلى خرابة، قرن تتناقص فيه الإناث ويختل فيه سير العالم الذي لطالما كان يسيره الذكور..
هكذا يحاول أمين معلوف في القرن الأول بعد بياتريس أن يعيد تنصيب “بلقيس” على عرشها..
أنا في أقل من عام، قبل أن تنتهي الـ2007 أرسلت مي (الاسم الذي رسوت عليه مؤخرا ليكون لطفلة  لن أنجبها أبداً) لتلعب مع الملائكة في عدن الله.. هناك سيكون بامكانها أن تتعلم الأسماء/الحياة كلها دون أن تؤرقني فكرة غرس مخاوفي في حدقتي عينيها- الأجمل من أشوه!
في عام واحد اكتشفت أن الاتيان بأنثى لهذا الكون هو محض أنانية لايمكن لي (مهما كانت هذه الـ مي مخبأة في قلبي منذ زمن) أن ارتكبها !
في عام واحد تنبهت أن –على هذه الوتيرة- لاشيء سيبقى لهذه المي سوى الخراب..
في عام واحد..استطاعوا قتل المعروف المفترض أن يأمرونا به وارغموا الجدران أن تلفظ كل البهتان الذي يريدونا أن نتوقعه خلفها.. لم يتركو خيارا في الحياة لأحد سوى مرتزقة الخلوات الغير شرعية.. في عام واحد كل القوارير شرد”ن”، واغتصبـ”ن”، وأوذيـ”ن” وأنا مازلت أحاول استيعاب أن العدل في أذهان الناس هو أن تجلد الضحية لانتهاءها بتاء التأنيث / نون النسوة.. بينما يربّت على أكتاف مغتصبيها.. بينما أنا أضاعف الطبقات على وجهي وجسدي وأصابع يدي.. أضاعف الخوف في قلب والدي- المتعب بي وببنتين عنيدتين سواي.. والاستياء في نفس والدتي التي عبثا ومذ كنت طفلة تبحث لي عن أوسع أردية الستر.. قبل أن أكتشف أني كنت، مازلت وسأظل في وجهة نظر الدولة الرسمية الفتنة وأذى الطريق، كيف لي أن ألوم الأفراد!!
في عام واحد لم نعد نستهجن سماع قصص مثل تعمد أحدهم الاصطدام بسيارة يقودها أسيوي لايمكنه استيعاب مايجري ليتفاداه.. لايستطيع تخيل قوة جذب سواد العباءة.. سواد النوافذ المظللة.. العذر هنا دائما قريب ومبرر: هي من أغرته وكأن لأكياس القمامة التي نرغم أن نكونها أن تغري أحدا.. وبالطبع سيتحدث شيوخ القنوات عن ضعف الوازع الديني الذي ظلوا لأكثر من إثني عشرة سنة يلقنوننا إياه في مدارسهم بشكل يومي.. في عام واحد  تخلى كل شاب هنا عن آدميته لأن كل شيء مغري في التحول إلى ذئب.. لا يوجد ماهو أفضل من التحول إلى الضحية الدائمة.. وبالنهاية، حتما سيحدث شيء ما يجعل الناس تنسى.. حتما حتى الأرشيف لامتلاءه سينسى !
في عام واحد ودون سبب سوى وجهي الذي استخدمه للصد اكثر مما استخدمه كهوية.. مرر كل الشباب والمراهقين ألسنتهم على شفاههم ليخبروني من خلف زجاج سياراتهم كم أني/ أننا كائنات مباحة.. ربما وفقط لأننا في المقاعد الخلفية دائما.. ولا خوف مننا لأن بالطبع لا أهمية لأي منّا إلا باعتبارها “صيدة” !
مايحدث محبط على كل الصعد، أحاول -بصعوبة- أن أظل متفاءلة.. أن أحتفظ بما تبقى لي من حياد.. لكني لم أعد قادرة على السكوت دون أن أخبر احدا .. أي أحد ياربي.. كم أنا مستاءة.. !
عدة سنين من الفوضى الاجتماعية هذه، هي مايتطلبه الأمر.. وحينها لن يعود للدين الذي تتشبث به الأغلبية المرعوبة أي معنى..
لطالما رددت أني محظوظة بوالدي ولكن من سيصبح ولي أمري الفعلي بعد سنة أو سنتين من مثل هذه الفوضى؟.. شكرا جزيلا.. بإمكان كل من يحمل جنس الذكورة أن يساهم في ولاية الأمر الجماعية هذه لأني الضلع الأعوج الذي لايستأمن حتى أن يترك لتحمل مسئولية حياته.. لا أريد فعليا منح الحياة لطفلة تكبر لتكتشف مثل هذه الخديعة
مايحدث كابوس ياربي وأنا لا أريد أن اكون جزءا منه، بدلا عن الأحرف، علمتني أمي منذ الخامسة أن أحذر الغرباء.. حملتني كوني أنثى كسكينٍ بداخلي.. وأنا لم أخاطبك مرة واحدة بـ لم لم تخلقني ذكرا ياربي؟ حتى في أكثر اللحظات التي كنت مثقلة فيها بهذا الحمل الغبي.. حتى حينما قررت أن عذرية ظللت أسكب حياتي لأجلها سنينا أعز من أن أستطيع التخلي عنها في ثانية ! حتى في الليلات التي كنت فيها أختنق ولم أكن أريد شيئا سوى الذهاب للبحر -الذي لايبعد أكثر من خطوات عن منزلي- وغسل عيني بملحه دون أن تعتلي رموز اسمي صفحة المحليات في جريدة متجنية مثل “اليوم” تتهمني ضمنا بين سطورها أني هربت ولم أخطف!! حتى في مثلها ليلات لم أشكو.. رغم كل هذا لطالما كنت مبتهجة لأني امرأة، مسلوبة الحقوق نعم.. لكني أحب كوني أنثى ولأجل هذا الحب أتبنى الأنوثة كقضية أكبر بكثير مما يكتب في خانة الجنس في الأوراق الرسمية.. أحتاج أن أكون أنثى لكن ما أحتاجه أيضا يارب هو ان تأخذني من هنا سريعا لأن الانفجار قريب جدا .. أشعر بذلك وأنا لم يعد يملأني شيء بالغيظ مثل كوني مازلت جزءا من هذا الجنون المعاش.. أن أشهد هذا التمييز يوما بعد يوم دون أن يكون بيدي فعل شيء حياله سوى الكتابة.. خذني يارب سريعا وقبل أن تنتهي الاشياء التي تجعلني اتفاءل وأتأمل واستمر.. خذني يارب.. قبل أن تكرهني مي، خذني

!

.

بشارات الجي تونتي

9 November, 2008

يتحرك مبتعثو برنامج الملك عبدالله بالولايات المتحده للقاء مع مبتعثهِم.. أحاول صدقا أن أتمنى لهم الحظ كله ولكني للاسف لا أملك تفاؤلا بكون “أبو متعب” حزم معه استراتيجية “البشارات” الداخلية التي يأخذها معه في زياراته لمناطق المملكة.. لم علينا أن ننتظر زيارته / زيارة مسؤول ما لنحصل على بشارة؟! أعلم أن ثمة مشاريع تحتاج إلى من يدشنها ولكن فيما خص القرارات، الزيادات، التشريعات، أو التعديلات القانونية الأساسية او لنقل الضرورية والتي صرنا نبتهج لمجرد خروجها من عنق زجاجة القرارات المتأخرة جدا.. ابتهاجنا بما أصبح فعلا ”مكرمة” كابتهاج مجدوب بالمطر، لم نحتاجها أن تأتي ضمن سياق زيارة او مهرجان او مناسبة ما. الآن ولشدة الإنتظار الذي لايسفر عن شيء “بطلّنا” ننتظر، وبتنا نفضل الطريقة الرسمية الاحتفائية.. أقول هذا والمكرمات الملكية بتمديد الإجازات الدراسية هي تلك التي يترقبها ثلاثة أرباع الشعب سنويا بشغف ويحزنني أن أفكر أنها بالبدء كانت -وماتزال- أهم أسباب شعبية الملك العارمة بغض النظر عن قراراته ورؤاه المصيرية الأخرى… لا أظن أن زيارة الملك للولايات تحمل الروح هذه للطلاب السعوديين..ولكني رغم كل شيء أصلي للمبتعثين في كل دول الأرض، ولأولئك الـ بالولايات بشكل خاص.. أصلي ليخيب الله ظني من أجلهم.. وأحاول التفاؤل.. في السياق نفسه الملفت / المعضل أن أحد القائمين على برنامج الابتعاث -لا أتذكره من- صرح باقتراب قرار بخصوص زيادة مخصصات المبتعثين.. رغم ابتداءه التصريح بكون المخصصات كافية لضمان حياة أساسية وجيدة للمبتعث.. ما الهدف من الزيادة إذن؟  بالله !

لحل أي مشكلة،  لابد من الإعتراف بوجودها أصلا.. إلا في حال كون الحكومة الرشيدة منزهة عن الخطأ وانتقادها يضع المرء في مواجهة مع الوطن والقائد !

ع فكرة، حينما كنت إحدى المرشحات للبعثة في دفعتها الثانية كنت أهتم وأتابع.. ووقتها كان منسوبو وزارة التعليم العالي قد أعلنوا جذلين أن الإعداد للدفعة الثانية والذي استغرق سنة كاملة.. نعم سنة منذ فتح باب تقديمه حتى أصدرت قرارات ابتعاثه.. أعلنوا أن التكاليف اللوجستية وحدها كانت 7 ملايين ريال.. أدرك جيدا كم كان ابتعاثي لثلاث سنوات لجامعة أميركية سيكلف الدولة.. مالا أدركه هو تحت أي بند أنفقت السبعة ملايين ولا احد منّا كان قد غادر المملكة بعد ولا كم تستنزف وزارة التعليم العالي أو ملحقيتنا في واشنطن وهم الموجودون افتراضا لخدمة المبتعثين واعانتهم.. رغم تقديري للاستثنائي من جهودهم اتساءل: كم ستكلف كل خدماتهم ”المساندة” فرضا؟

أتحدث عن كل هذا -رغم أنه ليس شأني- لأني لا أنحدر من عائلة ارستقراطية وأحاول افلاس نفسي بكل الطرق التي تجعلني أقرب للطبقة المتوسطة كما أحب دائما أن أعبر عن نفسي وكما هي -منذ خلقت- عائلتي.. لأجلهم، يؤلمني جدا أن أرى قلقهم على شقيقتي الملقاة -لـ تعنت وبيروقراطية وزارة التعليم العالي- في ولاية جنونية ومدينة تعبس في وجه السعوديين وتسومهم سوء الغلاء.. يؤلمني أن أراها تنفق راتبها كله لأجل سرير وصوفا بينما يبقيها راتب المرافق والنقود التي نوصي الوسترن يونيون أن يضع بجيوبها لأنها لاتتكلم ولاتطلبنا شيئا.. تبقيها هذه المبالغ الصغيرة على قيد الحياة الجامعية وهي التي لو بقت معي هنا لكانت بدبلومها الهزيل تكسب أكثر مما أكسبه ببكالوريوسي المغرور.. مشكلتها.. -كمشكلة كل المبتعثين الذين أعرف- أنها أرادت الأفضل..نعم، أيقن أن وضعها أفضل بكثير من آخرين متزوجين ومتروكين بين سندان البيبي سيترز ومطرقة الداي كير.. لا أعلم كيف لهم أن يستمروا ولكني أحترم طموحاتهم وأفخر بها.. أنا التي رفضت العودة لفوضى الحياة الجامعية وآثرت الاستقرار في وظيفتي.. ومن هذا المنطلق/الجبن أرى أن شجاعة كل المبتعثين الذين تركوا وظائفهم وديارهم أكبر بكثير من أن تقابل بمخصصات هزيلة كالتي يستلمونها الآن.. مرة أخرى: إن كان الأمر يستدعي زيارة عبدالله بن عبدالعزيز ليخبرهم بانفراج أزماتهم بشخصه فأنا أول من سيرحب به هناك من مكاني هنا.. لكن: إلى متى نظل شعب المكرمات؟

.

وانثينّا ياهبوب النعاس والحلم

2 November, 2008

كل الكراسي التي جلست عليها كانت: حديدية وكما النصال، دائما..  كطعنة بالظهر: باردة..

كان هذا ما ميز الرياض الـ أخذتني لـ 25 ساعة.. وعبأتني بالهواء الذي لم تتجاوز حرارته الـ 25 درجة..

بارد كان كل شيء ورغم أنه تماما الجو ذاته هنا إلا أن ما أمرضني في الرياض كان الهبوب.. الهبوب ذاته المفترض أن يأتي بالنعاس والحلم كما يقول بدر بن عبدالمحسن..

الهبوب الذي يجعل من البرد نوبة حزن شخصي لاتنهيها أكواب القهوة العديدة ولا يدفئها كتف أبي الذي اضطررت ان أسند رأسي اليه بآخر الرحلة الكانت ستعيدني إلى داري..

حينما خبى كل شي.. على مد طريق الملك فهد وبإتجاه المطار كنت أفكر كم أنا أعجز عن تصديق هذه المدينة، كم أجهلها وأهابها ودائما ما اجد طعما مرا بحلقي كلما حدثت نفسي أني عشت أربع سنوات بها!

أبحث قبل الاقلاع عن الرقة التي يحكي عنها البدر ولا أجدها..أجد الحياه بصخب عال.. أجد سيارات الأجرة التي تسير بسرعة 150 كلم في الساعة بلا إكتراث على إنحراف الدائري.. أجد مدخني السيجار في فجر لوبي الفندق.. الـ لايعبئون كثيرا بالنوم أو بأن الفكرة التي بنيت لأجلها الفنادق بالاصل كانت المبيت.. أجد الابتسامة المشككة التي تمنحها المرأة المارينز في السفارة لي.. أجد الشباب السمر الذي يمسح أولهم جبينه بينما يخبر المجند شيئا عن كون الجو بالداخل لايملك أدنى فكرة عن اعتدال الجو بالخارج.. وثانيهم يضحك حينما يكتشف أن الكاونتر أطول من أن تجتازه قامة قصيرة مثلي الأمر الذي يجعله يقرب جهاز البصمات جهة أصابعي بينما أحاول أنا حل معضلة مثل: أي الأصابع هو إبهامي الأيمن! أكتشف البيروقراطية الحكومية -كما يسموها- باسوأ الصور الممكن لنا نحن الذاهبين للرياض بين الحين والحين لنلاحق معاملاتنا الشاردة تخيلها.. أجد الحياة.. صخب الحياة في مطاعم يتعلق نادلوها بالزبائن أكثر من اللازم لأن لا أحد طلب منهم الجلوس معه ومشاركته بوح كوب قهوة منذ زمن طويل.. وجدت الصخب كله.. في واجهات المولات المبهرجة وهي تتلاعب بمشاعري ومشاعري المعذبات مثلي اللاتي سيحببن أنفسهن الليلة اكثر رغما عن مضادات الكآبة فقط لأن في خزاناتهم مازال ثمة مكان يسع لحقيبة لوي فيتون جديدة.. في رعب المتدفقين للمملكة والفيصلية من الاماكن المفتوحة وإن أغراهم الله بأحسن الاجواء وألطفها ليصبح على الأقل من الصحيح قولهم: بنطلع “برا” نشم هوا.. لا أستوعب أنا كيف يمكن فعل ذلك أثناء الانتظار أمام الصراف أو في المربع المسود من فرط العباءات: للعائلات فقط من ساحة الطعام السريع.. حتى في “المطاوعة” الذين يقفون كمنارة في اتجاه موج الاستهلاكية ليقولوا كل هذه الحياة الجنون لم تكن لتنسينا الله لولا أننا بالاختيار نسيناه، أجدهم يتماشون مع صخب المدينة ونحن نتبادل نظرات مفادها: أنا وأنت نعلم أني أعجز من أحمل مسئولية الفتن المبتلين أنتم بها هنا كشأنكم الخاص.. أنا هنا لساعتين أخر.. ولن يضر في شيء إن تركتني فيها أتنفس الهواء.. وجدت الحياة برتم سريع تمر ولاتعبأ كثيرا بالأجساد المتهاوية تعبا في مصلى المطار المزدحم في وقت لاصلاة فيه.. وجدت الكهرباء تنطاع خاضعة لرغبة البشر في إعلان وجودهم.. هنا الرياض.. المدينة الأضخم والدليل -لمن يشكك- هو مدى سطوع الأنوار المضاءة أكثر من اللازم.. وجدت كل هذا ولم أجد الرياض التي مضى بها/معها البدر..لكنني بالطبع في قلبي اجد وابقي للرياض غلا لاتستحقه، فقط كون البدر هو ما يضيء لياليها القاسية وكونه هو من يكتبها لتكون القصيدة التي أحب وأعشق

.

ضرورة الريبة

31 October, 2008

من ضمن أشياء عاهدت نفسي ألا تكتب ولا حتى تتحدث عنها هي انتقاد وجود وعمل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. هو إحدى الشؤون الأسخف من أن أهدر أوقاتي وجهودي في إثبات سخفها! مايعنيني كان ومازال رصد تحول المجتمع الذكوري “الشهم” كما يدعي إلى مجتمع أكثر ذكورية وبالوقت نفسه -برغم ماتتشدق به الذكورية من قيم الشرف والفضائل- لمجتمع منحل ووقح وبالوقت نفسه متأزم وكأن الأنثى تطأ عالمه لأول مرة!  ربما فضاء الإعلام التجاري بات يبيع الحب والرغبة كأي منتج آخر لأجل الربح المادي ولكن القيود الدينية والتجريم الإجتماعي الأسري مازالا على ثباتهما القديم. الشيء الذي يثير لدي كلا من الاستغراب والأسف.. آسفي هو للكيف الذي به شوهت المفاهيم الجميلة واغتيل الجيد والعملي منها باسم مداخل مثل: ما “اجتمع” رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما.. أعلم ليس هو نص الحديث.. وهو ما أقصد: الكيفية التي حور بها قول الرسول وحمل مالايتحمله.. المجتمع هو الرجل والمرأة ولايمكن منع هذين الوحدتين من الاجتماع، وإلا فلا مجتمع! ..ولكن وحينما يختلي رجل بامرأة -وباء الجر هنا تحمل الرجل مسئولية الفعل-  ينتقل النص لخلف أبواب موصدة حيث مايوجد دائما شيطان ما لايحتاج لمن يستحضره.. في تعاملات المجتمع العادية بأي حجج استحضر الشيطان وبأي طريقة أوقفت التعاملات؟ باختصار وبتفسير صحوي مشوه إلغاء أي تفاعل انساني وتحويله الى علاقة جنسية محتملة..

أتذكر جيدا كيف كانت أكثر العوائل تدينا هنا في القطيف -رغم تحفظ ناسها- لاترى بأسا في اختلاط أبناء الاعمام والأخوال بقريباتهم.. بالنهاية ورغم معدل زواج الأقارب العالي كان ابن العم بمثابة أخ قبل أي شيء آخر وكان لغالبية الفتيات الخيار في معاملته من هذا المنطلق الأمر الذي سيتمثل تاليا في عدم تغطية وجهها أمامه.. كانت تفاصيل “تتغطى عنه” و”مايتغطون عنهم” تنظم نوعا ما سير رسائل الثقة المتبادلة بين الأسر.. الكل يسترجع كيف كانت المجالس دائما مفتوحة وإن غاب رجل مجلس ظلت امرأته تستقبل ضيوفه وتخوض في ذات الشؤون دون أن تتوارى كإنسان خلف الأغطية.. لاأحتاج للتذكر حينما أتحدث عن أبي كمثال فهو في خمسيناته يستطيع سرد أسماء كل نساء “الديرة” وربط كل العوائل ببعضها البعض بينما مايحدث الآن مثلا في حي قديم حينما تتوفى مسنة وحيدة ولا يكتشفها أحد إلا بعد وفاتها بليلتين يوحي أن شيئا مايتغير ويحيل هؤلاء المسنات إلى طيوف سوداء يلفها النسيان وإن اكتست هذه الطيوف بأي ملمح فسيكون ملمح كونها أم فلان أو جدة فلان- فقط لاغير!.. لا أستطيع بالضبط تحديد متى بدأ كل هذا الجو الاجتماعي المريح بالتأزم ولا متى تحولت الأسر إلى ولاة أمور.. بمناقضة وقت قريب كان للمرأة هنا فيه كلمتها المسموعة وحريتها المسئولة ووجودها الذي لايمكن تجاوزه..

دائما ما أردد المثل: لاتبدأ في إصلاح الشيء مالم يكن مكسورا.. وبالضبط كما يحاول الشرق “الأوسط” اقناع الغرب “الديموقراطي” أنه ليس معطلا لكنه مختلف وسعيد باختلافه.. كاد الناس هنا أن ينجحوا في إقناع المركز النجدي أننا -كالحجاز وعسير- نملك أنظمتنا الاجتماعية الخاصة والتي لتسامحها تفتح ثغرات أخلاقية كثيرة لو طبقت في مجتمع آخر لكنها لحد الآن لم تفعلها هنا لدرجة يصبح من اللازم الغاؤها.. في الأمثلة ها أنا -حتى في هذا الزمن الذي لا استطيع أن أثق فيه حتى بنفسي- أستطيع قطع 70 كيلومتر يوميا مع من لايربطني به سوى خيط شفاف جدا من الثقة.. الثقة التي تجعلني أغفو في السيارة كوني مطمئنة أنه  لن يمسني.. وأنه وإن كان يصغرني بكثير سيتقمص شخص أخي الأكبر ولو لم أطلب منه أن يفعل.. مثل هذا لايحدث في الرياض كثيرا ربما.. أتفهم لكن ما لا أتفهمه أن ترغم السعودية كوحدة افتراضية  أصلا على إتباع نمط  إجتماعي واحد وتفسير ديني واحد ونظام قيم واحد.. لم تكن القطيف قرية ملائكة ولكن أهلها كانوا بأحسن حال.. كان فيهم من يفلتر المنكرات ويضغط على مرتكبيها بطرق أكثر فعالية وسلمية من عصى المطاوعة وزجرهم.. كل هذا كان قبل أن يمس كل شيء العبث ويحيل كل الأشياء إلى أقصى فوضاها ولامنطقيتها..

.

يوم المهنة بفدركرز

23 October, 2008

وزير العمل غازي القصيبي يدشن يوم الضيافة السعودي ويعمل كنادل في مطعم للوجبات السريعة كمبادر

أستغرب من حدة الهجوم -ودنائته أحيانا- على القصيبي الوزير..والمهاجمون هل استيائهم من أفعال غازي سببه شخص غازي العلماني أو كونه بات (مافيه بالبلد الا هالولد) أو لصخبه الإعلامي أولأنهم يفضلون أن تتحرك السعودة

top-down
بينما غازي كما هو واضح يفضل -ويصرح- أن استراتيجيته تبدأ وتسّرع السعودة في الوظائف الأبسط طبعا لأنها السعودة الأسهل.. بينما (هم) مستاؤون لأن مثل هذا الإتجاه لا يحل مشكلة كون المقيم لايزال يتقلب في دلال الشركات وغالبا ماينعم بوظائف قيادية لها برستيجها ولها رواتبها الخرافية..
طيب السوأل: هل الخيار هو حصري بين هذا وذاك؟ بإمكاننا توطين الوظائف بالإتجاهين صح؟.. اتجاه قصير المدى وثاني أبعد يهدف لتدريب السعوديين ليتولوا مناصب قيادية واستشارية في المستقبل بما أن سعودة الوظائف الأعلى يحتاج ميزانيات أكبر ووقت أكثر..

ثم في رؤيتي أجد من الظلم أن يقع كل اللوم على القطاع الخاص وأن يجابه بالحقد والتوجس ومعاداة الوطن لمجرد كونه يهدف عن الربح -لا ابرأه هنا لكني لا أحمله أكثر مما أدينه- بينما من يملكون كل الإمكانات للتوظيف والتدريب- القطاعات الحكومية على اختلافها لا أحد يحاسبهم.. صحيح تصل السعودة في غالب القطاع الحكومي لنسب مثل 99% لكن هل عدد الموظفين كاف/مبرر مقارنة بحجم هذا القطاع ومسئولياته؟ هذا سوأل أطرحه بما أن حد علمي كل هذه القطاعات لاتبذل شيئا حقيقيا.. هي واجهات إدارية والعمل الحقيقي تتعامل لأجله مع شركات ومتعاقدين لتنفيذه مشاريع كان أم تشغيل أم صيانة.. لكني بالطبع أقف مع المستاءين من الشركات في صف واحد..لحد الآن القطاع الخاص -ورغم مرور كل هذا الوقت منذ طفرة السبعينات ونشوء الشركات الأسرية الكبيرة- لا يثق بالسعوديين ولايهبهم احساس واضح بالأمان الوظيفي.. أنا نفسي جربت هذا في وظيفتي الأولى..
بالوقت نفسه، ليس معنى هذا أن يطالب الشباب باللامنطقي ويرفض الشراكة مع الشركات ويهاجمها فقط لأن عينه معلقة على الوظيفة الحكومية كمصير وظيفي متأمل.. شخصيا أجدها لاتقدم أي اغراء لشخص يؤمن أن المهنة الحقيقة هي ما -بجانب توفير العائد المادي- تسد احتياجات المرء المهنية المختلفة، تسمح له أن ينمو ويتطور ويتحصل على فرص أهم وأكبر.. هذا المفهوم في التطوير المهني قد يكون أجنبي بحت وغازي تكلم عنه أكثر من مرة.. ولأجله شعرت أنه متعلق بالشباب أكثر من تركيزه على مشكلته العويصة الثانية: تأشيرات العمالة.. الفكرة مثلا أنك دائما ما تجد أوروبيا على مستوى عالي من المهنية ينتقل للعالم الثالث لسبب أنه يرغب في التعرض لتجربة تضيف له مهنيا بينما الأغلب من السعوديين -مجرد احساس- مطلبهم الأول من الوظيفة هو المادة وهو أمر نشترك فيه أيضا مع العمالة العربية والأسيوية التي نستقدمها والتي تكون على استعداد للعمل تحت أي ظروف بغض النظر عن ارتباط العمل بتوجهها المهني لأن الهدف هو تحسين أوضاعهم المادية أولا ولأن لأغلب العمال مهما طال التعاقد ولوح لهم التجنيس بامكانيته ستظل المملكة مرحلة مؤقتة لحينما تأتي فرص أحسن.. أبي كان دائما ما يقول -وأنا أيقنت قوله بعد تنقلات مهنية مريرة: الشغل مو راتب.. الشغل كرامة..

عموما أنا أرى ما بدأ فيه غازي صائب بنسبة كبيرة لولا أنه تراجع عنه أولا وأنثنى للضغط الحكومي والمجتمعي ثانيا.. ربما ليس ذنبه أن مخرجات التعليم عندنا لاتستطيع وضع خريج جديد في أي وظيفة مهمة لكن كان  بامكانه مثلا أن يلزم الموظفيِن Employers  أن ينصفوا السعودي والكفاءة التعليمية التي يحملها.. ربما الإلزام بشكله المطلق وببساطة فرض نسبة رقمية من السعودة لكل قطاع سيكون عرقلة لشركات بالكاد تقاوم في هذا الوضع التنظيمي والإقتصادي الخانق ولن تعدم الشركات الربحية الالتفاف عليه -كما رأينا ونرى.. لكن على الاقل في يديه أن يرغم المشاريع الصغيرة أن توظف حملة الثانوية والجامعيين على برامج تطوير مهني أشمل من صندوق التنمية.. كون نوعية الوظائف الشاغرة  لاتحتاج التخصص وكل الذي يحتاجه المواطن للاستمرار فيها حد أدنى  –معقول- للأجور ومعاملة عادلة في حقوقه الوظيفية وظروف عمل إنسانية وفرص للشراكة مبنية على الثقة
ما يظل ينقص من هذه المعادلة هو ثقة الناس بكل الوعود والفرص التي دائما مانقرأ عنها في الجرائد ولاتتجاوز كونها كلام جرايد.. لو فرضا تم التوسع في برامج التدرج المهني.. سيكون من أقل الايجابيات تعزيز الثقة بالقطاع الخاص كموظِف ومدرب.. وتعزيز مفهوم القطاع الخاص كقطاع خدمي لا كمستثمر جشع وحسب.. ما أراه أنا أننا -بغض النظر لأي قطاع ننتمي- كموظفين كلنا نخدم زبون.. من المؤسف أن مثل هذه الثقافة الخدمية تكاد تكون معدومة في القطاعين.. الموظف الذي لايهتم بالحالتين -لأنه لا يجد مايملكه ولا مايخسره- غالبا مايعامل الزبون -المراجع كما يحلو لنا تسميته- وكأنه يتفضل عليه بتقديم الخدمة وهو عكس مايجب أن يكون
طيب  لنأخذ مبادرات شبيهة بالتي تطرحها جامعة الملك سعود في كراسيها البحثية أو أقسام خدمة المجتمع في الشركات الكبيرة.. ما كان سيحسب لغازي.. لو كان نجح في إغراء القطاع الخاص ليهب المنح لموظفيه لاستكمال ورفع مستوياتهم الأكاديمية والمهنية.. لا لشيء ولكنها ببساطة  تربط الموظف بالمكان الذي يعمل له ماديا وأخلاقيا..  كلنا نملك نوعا من أنواع الانتماء لمدارسنا وجامعاتنا والأماكن التي صنعتنا مهما اختلفنا مع هذه الأماكن..

اخيرا.. قد لا تعني فداحة مشكلة البطالة أن نقبل بأي شي هزيل كحل.. لكن من المهم النظر للبطالة كمشكلة الدولة ككل وليس وزارة العمل وحسب لأن المعنيين فيها هم أكثر الفئات العمرية طاقة وعددا وهم من إذا تركوا محبطين -بوظيفة أو بدونها- من الممكن جدا أن يتحولوا لمستنزفين لا موارد .. من الصعب على الموظف أن يدار كمتطرف لأي اتجاه.. لا لأنه حل مشكلة بطالته.. ولكن لأن الشغل يمكن الإنسان من أن يستقر.. التزامات مالية واجتماعية تستأثر بالموظفين على المدى البعيد ثانيا.. احتمالات أكثر لإشراك الشباب وبالوقت نفسه تحويلهم من ناشطين لمجرد معتنقين.. خلايا نائمة ولاتنوي الصحو.. بالمقابل الوظائف الكبيرة المحجوزة سلفا للمقيمين أجد أغلبها لا يأخذ نصيب المواطنين من الوظائف بشكل مباشر لأن توطن السعودي فيها.. هو ترقية بالنسبة له لا وظيفة أولى

الأكيد أن لي انتقادات كثيرة على مسلك غازي وتردده وعمله خارج السرب -تنفيذيا- وقدم بعض المشاريع في أجندته.. لكني أشعر أن هذا التكنوقراطي.. مفكر ومسؤول يندر وجوده في أرض سبخ مثل هذه الأرض ترفض نمو مثل هذا الغرس فيها.. أحيلكم لحياته في الإدارة- الكتاب الذي ربما أكتب عن أهم الأشياء الملهمة التي أستقيتها منه في يوم من الأيام..

.

يمامة تقتات القلوب

23 October, 2008

تدوينة قديمة لهديل:

كنت لأمد غصنا أخضرا حتى باب جنتك .. حينما كنت أضع أولى العتبات لهذا المكان وأحدث نفسي بأي الروابط سأضع جانب هذه الصفحة، كنت أفكر كيف أن جنتك أولّى لأنها أول الصفحات التي يبعثها لي قارئ الخلاصات
في الإثنين ذاك كنت سأكتب: لم أتخيل أبدا أن تكون أول مدخلاتي الفزع عليك ياهديل
اليوم أكتب:
لا أؤمن بجدوى الحزن لأي شيء، ولا أريد أن يكون أول ما أكتب رثاؤك..
إلا أني لن أجد مكانا أرحب من مدونتي التي أؤمن بها.. حد إيمانك بالتدوين.. لأكتب كيف أن قلبي مفتت تماما وأني كنت لأحاول لملمته ليأسى لأجلك لولا أني أعلم أن الحزن لأجلنا لا لأجلك أنت، وأنت تنتظرينا هناك.. على باب الجنة.. جنة ربي التي أؤمن بها الآن أكثر من أي وقت مضى لأنك تستحقين وجود الجنة لتحرسيها
يمسح على القلوب الـ آلمها تعبك بشارة كهذه من رب أصدقك وعده..
كوني بالخير كله والرحمة

على صلة:

جائزة هديل للإعلام الجديد

www.hadeelprize.org/

.

موقف إلزامي

23 October, 2008

مع أني لا أحب الوقوف الطويل.. يستهويني المضي الحركة….
وفي أقل من سنتين.. انقلبت على نفسي مرتين أو ثلاث ربما.. لدرجة أني أنا نفسي ما عدت أعرف ولا أتذكر نفسي القديمة..
من حولي بالطبع ليسوا راضيين عن هذه الروح القلقة.. لكني أنا مطمئنة لهذا القلق طالما هو وافٍ وملتزم معي..
أيقن أنه يبعد عن الركود ماء نفسي..
الآن، حاليا.. لا اؤمن بكثير أشياء.. أشياء أكثر أسلم بها تسليما خاليا من الإيمان.. ثوابتي القديمة أغلبها تحت المساءلة.. ولأمد غير محدد، بامكاني أن أكون جد سلبية ومنافقة في هذا الشأن.. أن أُسمّع الناس مايودون أن يسمعوه عنيّ.. لأني ببساطة حينما أتخذ موقفا -أو لاموقف- لا أشعر بشيء يلزمني بحتمية الدفاع عنه وعن نفسي التي أجدها بالنهاية حرة فيما تختار.. أنا لا أرسن عنان فرسّي، أدعها حرة تجول كما تشاء ولا أخاف مما قد تأخذني إليه .. إنطلاقي من هذه الفردانية، وحقيقة أني لا أبشّر بشيء ولا ألزم أحدا أن يرى ما أراه، لا أهاجم، لا أصادم، لا أتعمد مخالفة السائد قدر ما إني في الوقت الذي أحترم سطوته أتنصل منها ، لأجل هكذا حقيقة أجده مهما القول أني -في كل ما أفعل- انأى بنفسي عن الجدل.. آخر مايمكنني تقبله هو حوارات التخطئة ومراجعات التوبة.. محاولاتهم لترجيعي للصراط الذي طالما أحسست وأنا أمشي عليه أني لاعبة أكروبات أكثر من كوني إنسان..
في أكثر من موقف، دفعت عمدا من أحد ما لأمثل دور المحامي لإنتماءات أنا تجاوزتها منذ زمن .. لا مشكلة عندي في الإنتماء لهذا الدين.. لهذا المذهب.. هذا الوطن.. هذه المدرسة الفكرية.. هذا الموقف السياسي.. لكني أنا لا أتحدد بمجموع هذه الهويات كلها.. أنا أعرفّها لكنها لاتعرّفني.. هي جزء منّي وليست كلّي… ولا أقدر بالتالي أن أمّثل أي واحد منها أو أدافع عنه.. مادامت نصف هذه الهويات أصلا فرضت عليّ فرضا.. ربما فيها ما اقتنعت لفترة به.. وما بالنهاية تأقلمت معه..
كل ما يهمني.. حينما أتعامل مع شخص- أي شخص.. هو: لأي حد هذه التعريفات ستحدد علاقتي فيه/فيها.. ليس عندي مشكلة أن يعاملني أحد يعاملني بسوء فقط بسبب اختلافه مع واحدة من هوياتي.. المهم أن يُعزل شخصي لأني أكبر من أن أؤخذ بجريرة معتقد كامل أو مجموعة كاملة أو شعب كامل..
الشيء الأكيد هو مدى الخمسة وعشرون سنة الماضية، جرحتني الأحكام النمطية كثيرا.. لكني لا استاء من المواقف المتشنجة نفسها.. آسف لأن الإنسان لم يستطع تجاوزها مهما أدعى.. أحزن لوجودها من الأساس، لإستمرارها.. وأرى أن الرب وضعنا بإشكالية كبيرة جذورها سخيفة دائما- منذ أيام قابيل وهابيل: توهم الإنسان أنه من الممكن أن يكون أحسن من إنسان وأنه يملك صلاحيات التهذيب والتقويم.. المشكلة درجة النجاح في اختبار التعصب الإلهي عالية جدا.. وكأنها أعلى من مستوى الجنس البشري بكثير..
لن أنكر أن حساسيتي لكل ظواهر التمييز الـ تحيط بي عالية جدا.. مجرد تراكمات السنوات التي مضت ربما.. لكني لا أوقف حياتي لمجرد أني بيوم هوجمت أوظلمت أو مورس ضدي تمييز ما ويتحول السعي فيها إلى محاولة طويلة لأخذ الثأر.. ألوم على الشيعة مثلا -كوني أنتمي لهم- أنهم مازلوا يتعذرون بتعصب الدولة ضدهم كحجة مملة عززت من تخلف أوضاعهم.. وألوم على الإناث السعوديات أيضا كل الإحباط والشكوى والسلبية تجاه معاملة الدولة والمجتمع لهم مع أنهم بالأصل نصف هذا المجتمع وغالبا حطب التعصب الجندري حتى لو كانت السلطة مسلوبة من أيديهن.. لكني عموما -رغم لومي- لا أطرح نفسي كشيء مختلف.. للآن أنا موقنة أن التعصب ضد الشيعة -أو أي مذهب سعودي ضال – لن يختفي ولو في غضون مئة سنة قادمة والأمر نفسه سيستمر للمجتمع المتحيز جندريا وإثنيا ..
حاليا، القناعة الأكثر سهولة بالنسبة لي هي أن أسلم بكوني أعيش في عالم موبوء ودولة منكوبة

يحكمها -باسوأ حكم ممكن تخيله- قانون طواريء سياسي وإجتماعي وإقتصادي .. مثل هذا التأزم لن يحل طالما مبدأ الحياة هنا هو مبدأ

Risk Management

أو إدارة كوارث كمحاولة للتعايش بأقل الخسائر!
شخصيا.. كل ما أفعله هو أن أرصد.. أراقب.. أعبّر.. أفعل ما عليّ لئلا أكون جزءا من التخلف المضاد.. أن لا أكون المشكلة وإن لم أستطع المساهمة بالحل.. وإذا كان ثمة فرصة إيجابية للتغيير.. أنا سأكون أول من يؤمنوا بها ولو بقلبي كأضعف إيمان..
عموما في حيز النت -رحمة الرب لبشرية القرن الواحد والعشرين-  القيمة الأساسية لي ككاتبة في مدونّة هي أن كل شيء قد يسلب منّي إلا حرية أن أتكلم.
قد أكون إنسانة عادية لا تهم في هذا الكون أحد.. لكن حينما يطرح السؤال هو من الرقيب.. من الوصي.. من يوزع الأدوار.. ومن يأذن لنا بالكلام.. أصبح وقحة جدا وأنا أتمرد على أي محاولة لتكميمي، لإسكاتي.. لو كنت لأحتقر فكرا معينا.. أحتقر فكر الرقيب حقيقة.. وأرثي لحاله..

بالنهاية، هنا سأحتفي بآخر سنواتي العشرينية.. أمضي الوقت في التشكل بإنتظار أن أصير إنسانة كاملة..
حتى ذاك الحين، هـ أنا..

.

Testing

5 May, 2008

أول التدوينات، الفأل وخط البداية

.