حسنا، لست ناشطة، لست مدونّة، لست أي بطيخ لكن الله خلقني هكذا: مؤمنة بالديموقراطية كـ ملتي والعقيدة ولا أقبل أن يمس حق إنسان، أي إنسان.. أمران هما قضية عمري التي مستعدة -لسبب أو لآخر- أن أفني حياتي لأجلها.. أعلم كم هو إدعاء مجاني ومكرور ولكني أحاول الوفاء به إن حدث وأن وُضعت حياتي على المحك.
أعلم، القضايا الكبيرة لا ترحب كثيرا بالفتيات الرقيقات اللاتي يكتبن الشعر ويغلفن الهدايا ببتلات الورد ويرششن بالعطر بطاقات الكولاج التي يرسمن عليها القلوب الحمراء قبل أن يرسلنها لأحبابهن.. الهانئات اللاتي لا يهمهن معرفة نوع نظام الحكم في أوطانهن ولا يعنيهن الدستور في شيء ولا يميزن مصطلحات مثل الثيوقراطية، فصل السلطات، المساواة، العدالة الاجتماعية، وقبل كل هذا لا يستطعن تعرفة معنى وطن، الجميلات اللاتي بالنسبة لهن، غيفارا بوجهه العابس المطبوع بالأسود على القمصان خطيئة “فاشونية”، الحالمات اللواتي وقت الأزمات لا يتعدى موقفهن الدعاء للشعب وللرئيس -في الآن ذاته- بأن يحفظهم الله ويحميهم ويهدي سرهم في مشهد يذكرني كثيرا بالموقف الرسمي لباقي الدول المتواطئة، وأخيرا اللاتي غالبا ماينتهي بهم الحال في عيادات الطب النفسي مصابات باضطراب مابعد الصدمة من هول ما يرونه يحدث الآن.. لن أكون إحداهن
أدرك جيدا: العالم قبيح وبشع وحكامه قذرون خونة وشعوبه مستلبة مخذولة. في مثل هكذا حال، العيش بسلام هو عيش بمذلة وأكثر من هذا، العيش بترف هو محض وقاحة، وترفقا بمفرطات الحس سأقول: لا إنسانية
لا أعول على الرخاء ولا الدلال ولا الأمن والكرامة المشترين بمليارات النفط مهما قيل أن فتاة أتيح لها ما أتيح لي سترفل فيه، لا أهتم لما يريدونني أن أدرسه في الكتب وأعود لأحوله لواقع مثالي معاش- لست آخر الأنبياء ولن أكون: لا معدل النمو القومي ولا متوقع العمر ولا نسب البدانة في دول الخليج ولا مؤشر جودة الحياة، لم يعد لهذا الترف الفكري معنى.. حياتنا وإن جادت لا تجود، حياتنا بلا حرية ليست حياة وأنا لن أعيش وسط كل هذا الموت.. أنا اخترت أن أحيا يسارية معبأة بالغضب، والغضب -كما يقول طبيبي طاقة نستطيع أن نوجهها للبناء كما للتدمير، للمقاومة كما للهروب.. أنا بها سأقاوم.
لطالما جهزت نفسي لمثل مايحدث اليوم: شباب غيرت اسماءهم للشهيد طلقة في الرأس، صبية نتفاءل بهم ونناديهم الزهور ينتهون في المشارح برجلين باردتين تلونهما الكدمات ويتدلى من أحدهما رقم، آخرون لم يسمحوا لنا أن نقترب لنحملهم فتركناهم ليناموا على الإسفلت بأدمغة مفتوحة لأنها جرأت على التفكير، سيارات اسعاف زائفة تدهس من يلتجئ لها وأطباء معتقلين مستبدلين على عجل بأطباء يعتقلون من جاءهم لطلب الضماد برغم المصحف الذي أقسموا عليه يوم من كلية الطب تخرجوا، قوى “أمن” بملابس “مدنية” وكأن همجية العسكر والتمدن على طرفي نقيض، أمهات لا يتشحن بالسواد ولا يبكين لفرط الفجيعة، أباء يربط الله على قلوبهم ليحولوا جنائز أولادهم لمظاهرات جديدة يسقط فيها شهداء جدد تتحول جنائزهم هم الأخر لمظاهرات جديدة- ولا يدرك النظام الغبي أن لا نفع من هدر الرصاص “الحي” طالما أن الثوار سيتستمرون في التظاهر أحياء كانوا أم أمواتا.. صوت مصادر ببساطة قطع الكهرباء والإنترنت وسائل الإتصال وسلب الأوتار من الحناجر وشد العصابة على الأعين، وتوجيه السلاح المهدد على الصدر وبين العيون، نساء مرتاعة تنظف الأرض من مسحوق حليب أطفالهن الذي لم يسلم من التفتيش حينما اقتحم بيوتهن الآمنة جنود مكافح الإرهاب ليعتقل أزواجهن الذين كما يوسف بلا خطيئة سيلبثون في السجن بضع سنين، منظمات حقوق عاجزة، مزعجة اكتفت بالاستنكار الجبان على صفحات الفيس بوك وتويتر وأقصى ما بيدها -المغموسة بدمنا- أن تناشد الدول العظمى التي بدورها تتبجح بدعمها للحقوق وحريات التعبير بينما هي لدكتاتورينا الناصر والمعين وفي يده علب الغاز المسيل للدموع وفي منفاه الحسابات التي لا يطالها التجميد وعلى كتفه تربيتة اللوم: ما اتفقنا على كده حبيبي!
لكل هذا، أنا مستعدة.. قلبي الفزع مستبعد وعقلانيتي معطلة وغضبي مشاع لكل ثائر: اضرب عدوك بي*.. تذكر: الحقوق تنتزع ولمغتصبها منك الحجر.. اضرب عدوك بي فأنا كما أحجار الميدان لا أتوجع ومن يدري ربما أتشكل وأنت تصوب بي سجيلا..
ألتقيكم في سقوط جديد
*محمود درويش
